“عيون الغرقى” لحسين جلعاد.. عودة إلى الماضي النائي

حتى وإن كانت بعض شخصياته مجرد أطفال أو مراهقين يجربون العالم ويختبرون حواسهم، أو طلاب جامعة في لحظة الوعي والرفض، تشعر وأنت تقرأ قصص حسين جلعاد في مجموعته الصادرة حديثا بعنوان “عيون الغرقى” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) أن ثمة خسارة ما، دون أن نعرف ما الذي فُقِد بالضبط، وأن حكاياتها ليست إلا جوقة من المراثي تترنح في أرض صغيرة من التجارب والذكريات، تلك التي كانت قريبة ثم أصبحت نائية.

الكتاب هو العمل الأدبي الثالث للشاعر والقاص الأردني جلعاد بعد مجموعتيه الشعريتين “العالي يصلب دائمًا” و”كما يخسر الأنبياء”، حيث يعود الأديب بعشر قصص احتضنتها المجموعة وعنونها جلعاد على درجات السلم الموسيقي “دو: أسرار معلنة، ري، مي”، “فا: الإسفلت والمطر”، و”صول: كائن سماوي”، و”لا” و”سي: أربعة جدران وباب”، و”المساء يطير غربًا”، و”الخريف والشبابيك القديمة” (وهي قصة في 6 مشاهد: نعناع المصاطب، خمول متحرك، قال الحلم له، نزار وحده، شبابيك قديمة، آخر اللوحات)، وآخرها “دو: والبحر ينام أيضًا”.

من الصفحة الأولى، يهدي الأديب كتابه إلى مدينته دون أن يذكر اسمها، نعرف من الوقائع التي يدور معظمها في إربد، حيث تابع جلعاد دراسته الجامعية، أنها المدينة موضع الإهداء. ولكن قد يسأل القارئ نفسه لِمَ يهد الكاتب مدينة وليس إنسانًا؟ وكأن عدنان أيوب (من شخصيات قصة نعناع المصاطب) يرد على هذا السؤال:

“إربد التي أغوته يوما بعشق المدائن فوجد نفسه فيما بعد متورطا بضجيج الإسمنت والمدن الكبرى. وهو لم يدرك مدى تعلقه بإربد إلا حين غادرها، تلك التي يألفها الجميع بسرعة -أو يظنون ذلك- بيد أنها تستعصي على الإتيان بتلك المجانية والتسطيح، وحدهم من تشكلوا في الأزقة والشوارع يعرفون أي أمان هي جدرانها. وهم وحدهم من يعرفون أية ذاكرة لقطط الليل”.

هاجس الأزمنة والأمكنة

ثمة هاجس واضح بالمكان والزمان يظهر في التفاصيل كلها، بدءًا من عناوين القصص التي إما أن تشير إلى زمان (المساء والخريف) وإما إلى مكان (الإسفلت والبيت والبحر). فعناوين جلعاد محملة بالمعاني سواء أكانت في محاولته “موسقة” الماضي أو ترتيبه في تتابع ما ووضع منطق رتميّ لتذكره، أو بالاستخدام القصدي للغة تعيدنا إلى عناوين الكتب الرومانسية القديمة، دون أن ينسحب ذلك على متن القصص نفسها.

يمثل عدنان أيوب شخصية المثقف والفنان التشكيلي الذي يعيش في أزمة لا أحد يعرف حجمها ولا سببها، إنه الشخصية التي تمتد مشاعرها وأفكارها إلى ما وراء الخسائر الملموسة والتجريبية للكائن الفردي وتصير إحساسًا بالانحدار الثقافي والتوق إلى الماضي.

يتصرف عدنان بعصبية ويعترض على كل شيء، في وقت يعيش فيه محاكمة مستمرة على طريقة بطل كافكا، الفرق أنه هو من يجر نفسه والآخرين إلى هذه المحاكمة، صديقه نزار وحبيبته جيهان وعمله بل ووطنه، يقول “ربما من رابع المستحيلات أن يكون للإنسان وطن”، ثم يتخيل نفسه يتسلق إشارة ضوئية ويصيح ملقبًا بـ”أثينا المغفلة”.

مقابل ذلك الحب الكبير لإربد، ثمة نفور من عمّان، وإشارات مستمرة إلى الزمان نصل إليه من خلال أسماء الأمكنة التي يذكرها الكاتب بشكل مقصود لنفهم الإحباط والانكسار الذي يشير إليه زمن الراوي، كلمات مثل “نلتقي في الفينيق” أو “الفاروقي” تشير إلى أننا في عمان أواخر التسعينيات بعد حرب الخليج، وبعد اتفاقية أوسلو التي تظهر كخلفية للحدث في قصة “كائن سماوي”. في هذه الأخيرة نتعرف إلى هديل وريم وحسام، ويبدو أن الاستعداد للمظاهرات في الجامعة ضد الاتفاقية يقود إلى اعتقال الطلاب المنظمين وعلى رأسهم حسام.

صحيح أن حسين جلعاد يغير أسماء الشخصيات، لكن ثمة ما يوحي بشكل غامض بأن حسام ليس إلا صورة أخرى لعدنان، مثلما هي جيهان تشبه لينا في “المساء يطير غربًا”، في عالم المثقفين الذي يحاول جلعاد تقديم صورة لتعقيدات العلاقات فيه وهشاشتها، يبدو أن هناك رجلًا مأزوم دائمًا وامرأة تتخلى.

“بويا” وشخصيات أخرى

لا يمنع الحضور الكبير للشخصية المثقفة المحبطة والسوداوية من توازن دقيق مع الفرح اليافع، فخطاب الخيبة المنتشر في المجموعة لا يظهر فقط في التعبيرات السوداوية الصريحة، ولا في تمثيلات الحزن المستترة فحسب، بل أيضًا في مغامرة المراهقين البدويين خضيّر وصقر في قرية سيدي وقّاص اللذين يجربان الكحول لأول مرة، فتجربتهما العزيزة والمسروقة التي لم تكتمل حتى آخرها. لقطتهما مغلفة بالشقاوة والاكتشاف. لكن حتى هذه الشخصيات السعيدة ثمة شيء في لغة الراوي يوحي بأن هذه البيئة الريفية والتوق إلى زجاجة شراب ربما كانتا آخر طعم حقيقي للسعادة سيعرفانها قبل الانتقال إلى حياة الراشدين.

تظهر “وقاص” وأطياف قرى وأماكن ريفية أخرى مثل “البارحة” و”الحصن”، رحلات خاطفة تنطق بها الشخصيات في عبارات قليلة كما لو كانت في رحلة العودة إلى عالم الأحاسيس الأولية وألوان الطفولة المبكرة.

بل إن هذه الروح تظهر حتى في قصة “الإسفلت والمطر”، حيث الطفل بائع العلكة يريد الدخول إلى الجامعة ليفتش في حاويتها عن طعام، وكذلك في قصة “بويا” حيث الطفل ماسح الأحذية يحلم بالزبائن في الجانب الثري من المدينة بعيدًا عن قاعها. لا يحاول حسين جلعاد تصوير هذه الشخصيات كبائسة أو منكسرة، بل إنه بخلاف ذلك يكتفي بأن يقدمها في لحظتها المغامرة أو كشاهدة على موقف يبرهن لها على سخرية الحياة.

يتنازع كل شخصيات جلعاد عالمان: الطفولة والرشد، المراهقة والنضج، الفقر والثراء، المثقف الذي يشعر أن العالم المحيط به ليس إلا مجموعة من الأصوات النشاز، وتلك الشخصيات المحاذية للمثقف أصدقائه ومعارفه والجرسون الذي اعتاد عليه.. إلخ.

حكايات الحنين

بعد 15 عامًا من الغياب عن النشر، يأتي حسين جلعاد بقصصه العشر، إنها حكايات من الحنين وعنه، كل شخصياتها في مكان يبدو الآن سحيقًا من الماضي، وتنظر إلينا بعيون كلها غرّقٌ.

وقال جلعاد للجزيرة نت إن الشعر والسرد نهران ينبعان من مصدر واحد، ويتنزل الكلام في وعائه الإبداعي وفق الضرورة الفنية. وأضاف “لم تكن الكتابة السردية أو النثرية بعيدة عني، فرغم أنني بدأت شاعرا فإنني كنت ناثرا أيضا، ولعل هذا يبرز في كتاباتي غير الأدبية وعملي الصحفي، كما أن مظهرها الشعري هو انحيازي إلى القصيدة الأحدث في مسيرة الشعر العربي وهي قصائد الشعر الحر ثم قصيدة النثر”.

وتابع صاحب ديوان “العالي يُصْلَب دائما” أن الشعر كائن رقيق ونخبوي في مبناه ومعناه، وهو غيور أيضا، ولعل هذا يجعله أحيانا غير متسع للحكي والاسترسال، الشعر بارق ومختزل ومكثف، ولهذا تحتاج السرد والقصص لتكتب الأفكار الاجتماعية وصراعها وتحولاتها “خصوصا أنني من المؤمنين بأن الكلمة قضية، وأن للمثقف دورا اجتماعيا وحضاريا”.

وعن توقفه عن النشر لفترة قد تعدّ طويلة، قال إن التوقف أمر تقني من جهة، ومحطة للتأمل من جهة أخرى، وأضاف “لقد مررت بمرحلة تحولات فكرية أخذت مني وقتا في مراجعة رؤيتي وزاوية اصطفافي ومكاني في هذا العالم”.

واستدرك “لكن هذا قطعا لا يعني التوقف عن الكتابة. لدي مخطوطات ترصد سنوات الجمر والرماد تلك سواء شعرا أو نثرا، وهذا سينعكس في الكتب التي ستصدر تباعا”.

يذكر أن حسين جلعاد من مواليد 1970، وهو شاعر وصحفي، ويعمل مديرا للتحرير في موقع الجزيرة نت، وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، وشغل عضوية هيئتها الإدارية (2004-2005) وهو عضو اتحاد الكتاب والأدباء العرب.

اختير حسين جلعاد عام 2006 سفيرا للشعر الأردني لدى حركة شعراء العالم، وهي منظمة أدبية مقرها في تشيلي وتضم في عضويتها آلاف الشعراء، كما اختارته مؤسسة “هاي فِسْتِيفَل” (Hay Festival) بالتعاون مع اليونسكو ووزارة الثقافة اللبنانية ضمن أفضل 39 كاتبا شابّا في العالم العربي والمهجر (جائزة بيروت 39) بمناسبة اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009.

ومن أبرز أعماله الأدبية “العالي يُصْلَب دائما” (شعر، دار أزمنة، عمّان، 1999) و”كما يخسر الأنبياء” (شعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007).

كما صدر لجلعاد منشورات فكرية وسياسية هي:

–  “الخرافة والبندقية.. أثر العولمة في الفكر السياسي الصهيوني” – 1999
– “المسألة الكردية وحزب العمال الكردستاني” – 1997

وتقع المجموعة القصصية ” عيون الغرقى” في 160 صفحة من القطع المتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات