وُصفت بـ”الخطوة الجريئة”.. ما دلالات استدعاء القضاء لوزير العدل العراقي؟

في إجراء لم تغب عنه الجرأة والغرابة والاستفهامات على حد سواء، وصف مراقبون للشأن السياسي العراقي قرار استقدام وزير العدل العراقي خالد شواني ومسؤول آخر في الوزارة بالخطوة ما بين الشكلية والتصفية السياسية مع إشارة إلى إرهاب المتهمين بالفساد تمهيدا لكشفهم ومحاسبتهم.

وكانت هيئة النزاهة الاتحادية -أعلى سلطة قضائية معنية بشؤون تتبع قضايا الفساد- أعلنت الأربعاء الماضي قرار الاستقدام الذي صدر عن محكمة الكرخ الثانية المختصة بالنظر بقضايا النزاهة، استنادا إلى أحكام المادة 329 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، على خلفية تعطيل مسؤولين حكوميين اثنين تنفيذ قرار قاضي تحقيق المحكمة في القضية الخاصة بملف إطعام السجناء والموقوفين، والامتناع عن تزويد فريق هيئة النزاهة بالوثائق المطلوبة.

ما عقوبة المادة 329؟

وتنص المادة 15 من قانون هيئة النزاهة على إلزام الدوائر والوزارات والجهات الحكومية الأخرى بتزويد هيئة النزاهة بكل الأوليات والمستندات التي تطلبها، حيث تصل عقوبة كل من يمتنع أو يعرقل أو يعطل تنفيذ القرارات الصادرة من المحاكم والوزارات بالحبس مدة لا تتجاوز 5 سنوات، وبغرامة مالية، أو الاكتفاء بالغرامة فقط، وفقا للمادة 329.

وعادة ما يكون تجهيز طعام السجناء من خلال شركات أهلية تتعاقد معها وزارة العدل، لكن تقارير حكومية وغير حكومية كشفت حديثا عن رداءة نوعية الطعام المُقدم للسجناء مع حالات فساد في تعاقدات الإطعام، الأمر الذي دفع هيئة النزاهة إلى فتح الملف ومتابعته، بالإضافة إلى توجيه رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني إنذارا نهائيا لمتعهد الطعام الخاص بدار تأهيل الأحداث، فضلًا عن فرض عقوبة مالية عليه.

كذلك يشترط قانون إصلاح النزلاء والمودعين رقم 14 لسنة 2018 أن “يكون الطعام صحيا وكافيا ومناسبا لديانة النزيل أو المودع ومعتقده”، مع توفير الفواكه واللحوم، والاهتمام بالجانب الصحي.

وتكشف هيئة النزاهة باستمرار عن صدور أوامر استقدام وتحقيق وقبض ضد مسؤولين كبار بتهم تتعلق بالفساد، حيث كان آخرها إصدار الهيئة 98 أمر قبض واستقدام في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حسب ما أكدته هيئة النزاهة في بيان صحفي.

الفرق بين الاستقدام والتحقيق

وعن الفرق ما بين الاستقدام والتحقيق من الناحية القانونية، يقول الخبير القانوني علي التميمي إن الاستقدام يصدر من قاضي التحقيق في حال كانت هناك دعوى أو شكوى معروضة أمام محكمة التحقيق مع وجود أدلة ووثائق تثبت أنها تقصيرية أو تشير إلى عدم الالتزام بالقانون، لافتا إلى أن الاستقدام يعد إجبارا للمعني على الحضور.

أما بخصوص ما يتعلق بأوامر التحقيق، فيشير التميمي -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن المحكمة هي التي تقوم بالتحقيق أو أي جهة تحقيقية بإشراف محكمة النزاهة أو مركز الشرطة، معلقا “عندئذ تؤخذ إفادة المُستقدم ومن ثمّ تُعرض على قاضي التحقيق، ليقرر القاضي مصير المُستقدَم ما بين إصدار قرار بتوقيفه أو الإفراج عنه بكفالة”.

ويفصِّل التميمي الفرق بين المصطلحين بمعنى آخر موضحا أن الاستقدام يكون في الحالات التي لم تنضج فيها مراحل التحقيق كاملة مع وجود إجراءات تحقيقية أولية، أما أوامر التحقيق أو القبض فتصدر عندما تكون الأدلة دامغة ومكتملة، حسب تعبيره.

ترهيب أم تصفية سياسية؟

من جانبه، وصف عضو لجنة النزاهة بمجلس النواب العراقي هادي السلامي قرار استقدام وزير العدل بأنه “خطوة جريئة بالاتجاه الصحيح”، وأنها تعبر عن سيادة القانون العراقي لتحقيق العدالة بين الجميع.

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد أن “هذه الخطوة من شأنها إرسال إشارة ترهيب للمسؤولين الكبار مفادها أن القضاء والمحاكم وهيئة النزاهة في حركة مستمرة ضد جميع سرّاق المال العام والفاسدين، تمهيدا لاستقدامهم ومحاكمتهم فيما بعد”.

إلا أن الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر يُخالف السلامي، حيث يصف هذه القرارات بـ”الشكلية من أجل إسباغ صورة المشهد السياسي في البلاد وطريقة إدارة الدولة بشكل يتلاءم مع ما يُطرح من أنها ديمقراطية ودولة مؤسسات”، مؤكدا أنها “لا يُمكن أن تكون ذات أبعاد مهنية، وما هي إلا جزء من التسقيط السياسي”.

وفي حديثه للجزيرة نت، يتساءل البيدر عن سبب عدم صدور الأوامر ذاتها (الاستقدام) بحق كثير من الشخصيات السياسية المُتهمة بالفساد بعد اعترافهم بذلك علنا في وسائل الإعلام، حيث تم التغاضي عنهم لأسباب سياسية، بينما زُجّ بكثير من غيرهم في السجون لعدم امتلاكهم الحماية السياسية.

ولم يكتف البيدر بذلك، إذ يرى في هذه القرارات أنها “مجرد لعبة لا أكثر، ولا يمكن أن تصل مؤسسات الدولة الرقابية بمجملها إلى هذا المستوى من المواجهة مع أحزاب السلطة وتياراتها التي ربما ترى نفسها أكبر وفوق سلطة القانون”.

من جانبه، يصف رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة بالعراق محمد الربيعي قيام وزارة العدل بمنع فريق الهيئة المعني بالتحقيق بفضيحة إطعام السجناء من ممارسة أعمالهم بـ”الكارثة الكبيرة”، ولا سيما مع امتناع وزير العدل عن تنفيذ أمر قضائي بشبهات فساد في عقود إطعام السجناء.

وفي حديثه للجزيرة نت، يضيف الربيعي أنه ورغم أن الوزير اتخذ الإجراءات الممكنة من خلال زيارته للسجون بتوفير الأطعمة والمواد الغذائية ومنع بيع المواد التي توزعها الوزارة على السجناء في الحوانيت داخل السجون، فإن أزمة السجون تبقى كبيرة إلى جانب ملفات الفساد المعقدة التي تحتاج لتضافر الجهود بين وزارة العدل والجهات الرقابية من أجل الحد منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات