توارى 30 عاما وعاش حياة باذخة.. كيف وقع عرّاب مافيا صقلية بقبضة الأمن الإيطالي؟

بعد رحلة هروب مثيرة استمرت 30 عاما، وقع أخيرا ماتيو ميسينا دينارو زعيم مافيا “كوزا نوسترا” (Cosa Nostra) في قبضة الأمن الإيطالي بجزيرة صقلية، ليواجه اتهامات تشمل اغتيال قاضيين شهيرين متخصصين في مكافحة الجريمة المنظمة في تسعينيات القرن الماضي.

وقُبِض على دينارو (60 عاما) صباح الاثنين في مدينة باليرمو بصقلية جنوبي إيطاليا بعد ملاحقة استمرت سنوات طويلة، وقد عُد اعتقاله إنجازا كبيرا في إطار الحملة المتسارعة على منظمات المافيا الرئيسية في إيطاليا (كوزا نوسترا، وكامورا “Camorra”، وندرانغيتا “Ndrangheta”، والمافيا الرابعة “La quarta mafia”)، مع أن تخفيه طوال هذه المدة عكس لدى البعض قدرا من الفشل الأمني.

وخلال السنوات القليلة الماضية، كان دينارو الأول على لائحة تضم أخطر 6 مطلوبين للسلطات الإيطالية، كما أنه من أخطر المجرمين المطلوبين عبر العالم، ولهذا وصفت رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني اعتقاله بأنه نصر كبير لإيطاليا، مؤكدة أن بلادها لن تستسلم للمافيا.

وبعد وفاة الزعيمين التاريخيين الرئيسيين لمافيا صقلية توتو رينا وبرناردو بروفنزانو في السجن عامي 2016 و2017، أصبح دينارو الزعيم الفعلي لكوزا نوسترا، وكان يدير من مخبئه النشاط الإجرامي لهذه الشبكة التي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، ويقدر عدد أعضائها بالآلاف.

وكان والد ماتيو ميسينا دينارو قائدا كبيرا في مافيا صقلية، وبالتالي كانت السبيل ممهدة لدخول ابنه مجال الجريمة المنظمة من بوابة الأسرة.

رحلة الهروب

بدأت رحلة هروب ماتيو ميسينا دينارو عام 1993، بعد أقل من عام من اغتيال القاضيين المتخصصين في مكافحة المافيا جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو، وهو متهم بالضلوع في اغتيالهما، فضلا عن عشرات جرائم القتل الأخرى، بما في ذلك التفجيرات التي شهدتها 3 مدن إيطالية خلال العام نفسه وأوقعت 10 قتلى.

ولدور دينارو في اغتيال فالكوني وبورسيلينو، وقتله أو إصداره أوامر بقتل العشرات، صدرت ضده أحكام بالسجن المؤبد. ومن الجرائم المروعة التي يتهم بارتكابها: خطف وتعذيب وقتل طفل عمره 11 عاما، انتقاما من والده الذي انسلخ عن المافيا ليعمل مع السلطات.

وقد نُقل عنه ذات مرة قوله إنه يستطيع “ملء مقبرة” بجثث ضحاياه، وكان من بين ما لُقب به “الشيطاني”.

حياة باذخة

وتنقل صحيفة الغارديان (Guardian) البريطانية عن المحققين أن ماتيو ميسينا دينارو عاش خلال فترة اختبائه حياة باذخة، بفضل أشخاص -من بينهم سياسيون ورجال أعمال- كانوا يمدونه بالأموال.

وكان يعرف عنه أنه يرتدي ملابس وساعات ونظارات فخمة، وحين اعتقلته قوة من الدرك في مصحة خاصة في باليرمو، كان في هيئة حسنة جدا، وفقا للمحققين.

وقال الجنرال في الدرك الإيطالي باسكوالي جينوسانتو إنه كان يرتدي لحظة اعتقاله ساعة قيمتها 35 ألف يورو.

ومساء الاثنين أثناء تفتيش الشقة التي يقيم فيها بمدينة كامبوبيلو الصغيرة في مقاطعة تراباني غربي صقلية، عثرت قوات الأمن على ملابس وأحذية باهظة الثمن، بالإضافة إلى منشطات جنسية ووصولات طعام.

ووصف العقيد ماركو بوتينو قائد الدرك في مقاطعة تراباني الشقة بأنها مريحة، مشيرا إلى أن دينارو أقام فيها على الأرجح في الأشهر الستة الماضية.

ووفقا لصحيفة الغارديان، فقد بنى دينارو إمبراطورية عائلية راكمت ثورة غير مشروعة بمليارات اليوروهات عبر النشاط في قطاعات من بينها طاقة الرياح وتجارة التجزئة.

وتتأتى موارد “كوزا نوسترا” من تجارة المخدرات والإتاوات وغسيل الأموال، وفي السنوات الماضية صادرت السلطات العديد من الأعمال التجارية المرتبطة بدينارو وشبكته.

السقوط في صقلية

وبشأن ملابسات سقوط زعيم مافيا صقلية، قال المدعي العام في باليرمو إن تحديد مكانه واعتقاله كان نتيجة تحقيقات صعبة وطويلة، في حين نفى الدرك الإيطالي أن يكون الاعتقال نتيجة معلومات من مخبرين من المافيا. ويعتقد المحققون أن لدى دينارو كل أسرار مافيا كوزا نوسترا، بما في ذلك عمليات القتل والتفجيرات.

وواجهت مساعي تحديد مكان عراب مافيا صقلية تعقيدات كثيرة، من بينها أن أحدث الصور التي التقطت له تعود لأواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. لكن بفضل تقنيات الحاسوب، رسمت السلطات الإيطالية صورة تقريبية للرجل وعممتها عام 2011.

وفي السنوات القليلة الماضية، وبعد أن اعتقلت السلطات 100 من المقربين من دينارو، من بينهم أخته وأفراد آخرون من العائلة بتهمة الضلوع في أنشطة إجرامية، ضاق الخناق على الزعيم المافيوي وبات معزولا بشكل كبير.

وفي وقت معين، كان المحققون يعتقدون أنه ربما انتقل إلى فرنسا أو أميركا الجنوبية، كما ادعى بعض الأشخاص أنهم شاهدوه في إسبانيا. وفي السنوات الماضية نُفذت عمليات في دول عدة بينها هولندا وجمهورية الدومينيكان بعد الاشتباه في وجود دينارو فيها، واعتقل خلال العمليات عشرات الأشخاص، لكن تبين أن المطلوب الأول لإيطاليا ليس بينهم.

وقال الجنرال في الدرك الإيطالي باسكوالي جينوسانتو إن من المحتمل أن دينارو كان يغادر صقلية من حين لآخر، لكنه أوضح أن أجهزة الأمن كانت تعتقد أنه لم يفعل ذلك، على غرار قادة آخرين للمافيا الإيطالية.

وبحلول صباح الاثنين الماضي، توصلت قوات الأمن إلى مكان دينارو في مصحة “مادالينا” الخاصة المعروفة في باليرمو، وقدمت مصادر أمنية راويات متضاربة عن محاولته الهرب، لكنها أكدت في المقابل أنه أقرّ بهويته. ويقول المحققون إن الرجل زار المصحة 6 مرات العام الماضي تحت اسم مستعار هو “أندريا بونافيدي”، حيث كان يخضع لعلاج كيميائي من ورم سرطاني.

ووصف مسؤول في مصحة مادالينا الوضع الصحي لزعيم مافيا صقلية بالخطير، مشيرا إلى أن مرضه تفاقم في الأشهر الماضية. وبعد اعتقاله، نقل دينارو إلى سجن شديد الحراسة في مدينة لاكويلا وسط البلاد، وهناك سيستمر علاجه من السرطان.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأجنبية + مواقع إلكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات