“ثقافة الاستقالة” تطال رئيس فيتنام

في سابقة فريدة أعلن الحزب الشيوعي الفيتنامي الحاكم، اليوم الثلاثاء، أن الرئيس نغوين شوان فوك سيترك منصبه، الذي شغله لأقل من عامين. وذكرت وكالة الأنباء الفيتنامية الرسمية أن الرئيس فوك قدم استقالته “بعد أن وجده الحزب مسؤولا عن انتهاكات ومخالفات ارتكبها العديد من المسؤولين تحت قيادته”.

ونقلت الوكالة عن اللجنة المركزية القوية للحزب القول “مع إدراكه التام لمسؤولياته أمام الحزب والشعب، قدم طلبا للاستقالة من المناصب المعينة له، وترك وظيفته”، وهذه هي المرة الأولى التي يستقيل فيها مبكرا عضو في القيادة العليا للحزب الشيوعي الفيتنامي، المعروف باسم “الأركان الأربعة”.

والأركان الأربعة هم سكرتير الحزب الشيوعي الحاكم، ورئيس الدولة، ورئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، الذين يقودون البلاد رسميا، خصوصا أنه لا يوجد حاكم أعلى للبلاد.

وشغل فوك “68 عاما” منصب رئيس البلاد لمدة تقل عن عامين. كما سبق وشغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2016 و2021، قبل أن يتولى منصبه كرئيس. ولم يتضح على الفور من سيحل محله.

وقال البيان الصحفي الرسمي “عقدت اللجنة المركزية للحزب اجتماعا استثنائيا في هانوي الثلاثاء لمناقشة خطاب استقالة فوك، الذي كان مسؤولا عن السماح لعدد من المسؤولين، بمن فيهم نائبان لرئيس الوزراء و3 وزراء، بارتكاب انتهاكات تسببت في عواقب وخيمة”. لكن استقالة فوك تتطلب موافقة مجلس الأمة، الذي سيعقد اجتماعا استثنائيا نادرا لهذا الغرض الأسبوع الجاري.

وتكهن مراقبون للشأن الفيتنامي باستقالة فوك بعد إقالة نائبي رئيس الوزراء في وقت سابق من شهر يناير/كانون الثاني الجاري في إطار حملة تطهير ضد الفساد أدت إلى اعتقال عشرات المسؤولين. كما يواجه ما لا يقل عن وزيرين سابقين، ومسؤولين آخرين تهما جنائية بارتكاب جرائم خلال جائحة كورونا.

ومن بين تلك الجرائم ما يتعلق بقضية شركة فيتنام للتكنولوجيا التي تورط فيها العديد من المسؤولين رفيعي المستوى في البلاد، بينهم وزير الصحة السابق نغوين ثانه لونغ، وشخصيات بارزة أخرى طردها الحزب الشيوعي الحاكم. خلال العام الماضي، وألقي القبض على المزيد من المسؤولين في القضية، ووصل عددهم إلى 102 شخص حتى الآن.

نمط جديد

ويرى المراقبون أن هذه التطورات الأخيرة تشير إلى نمط جديد يقوم فيه الحزب الشيوعي الفيتنامي بتحميل القادة المسؤولية عن انتهاكاتهم، مع السماح لهم بالاستقالة بشرف من أجل حماية هيبة الحزب ككل.

ويقول المحلل المتابع للشأن الفيتنامي كوينه لو تران إن هذا “يمثل نقطة انعطاف في حملة الأمين العام للحزب نغوين فو ترونغ ضد الفساد، إذ يحاول الحزب خلق ما يسمى بثقافة الاستقالة، بحيث يُتوقع منك الاستقالة عندما يتبين أنك ارتكبت خطأ أو تكون مسؤولا عن فضيحة حدثت في عهدتك. لا تنتظر حتى يتخذ الحزب إجراءً ضدك”.

ويشير إلى ما سبق وصرح به ترونغ مؤخرا: “يجب أن تكون لدى اللجنة المركزية للحزب سياسة تشجع أولئك الذين ارتكبوا أخطاء، إذا استقالوا طواعية وسلموا المدفوعات الفاسدة، فسيتم التعامل معهم برفق أو حتى إعفائهم من العقاب. فليس من الجيد أن تتم معاقبة الجميع بشدة، أو إبعادهم جميعا من مناصبهم”.

كما يرى في هذه اللهجة “تحولا كبيرا في نهج الحزب الشيوعي الفيتنامي. ويشير إلى الاعتراف بأنه لا ينبغي معاقبة جميع المسؤولين الذين تورطوا في ممارسات فاسدة بشدة، وأنه قد يكون من مصلحة الحزب والدولة السماح لمن يتقدمون عن طيب خاطر بتحمل المسؤولية عن أفعالهم للقيام بذلك. دون مواجهة عواقب وخيمة”.

ويوضح هذا التحول في السياسة رغبة الحزب الشيوعي الفيتنامي في اتباع نهج أكثر دقة في معالجة الفساد داخل الحزب. ومن خلال التساهل مع المسؤولين الذين يتقدمون عن طيب خاطر ويتحملون المسؤولية عن أفعالهم، يرسل الحزب رسالة مفادها أنه ملتزم باستئصال الفساد، مع الاعتراف أيضا بأنه لا ينبغي معاقبة جميع المسؤولين الذين ينخرطون في ممارسات فاسدة بالتساوي.

تداعيات

على النقيض من الرأي السابق، يرى محللون آخرون أنه في فيتنام التي يحكمها حزب واحد “تتم إدارة أي تغييرات سياسية بعناية فائقة لإعطاء الانطباع بالاستقرار السياسي والاستمرارية”. ومن ثم يعتبرون أن هذا أمر غير معتاد، والبعض يعتبرها مسرحية تظهر قوة للأمين العام للحزب الشيوعي نغوين فو ترونغ الذي تنتهي فترة ولايته في عام 2026. وينبه أصحاب هذا الرأي إلى أن الرئيس فوك الذي استقال للتو كان هو المرشح الرئيسي ليحل محله.

استقالة فوك لها آثار كبيرة على السياسة والحكومة الفيتنامية. وأحد التأثيرات المحتملة هو احتمال نشوب صراع على السلطة داخل الحزب الشيوعي الفيتنامي، ومن غير الواضح من الذي سيحل محل فوك كرئيس جديد.

ويرجح البعض أن يجمع رئيس الحزب نغوين فو ترونغ مؤقتا بين منصبي الرئيس والأمين العام للحزب، مثل الرئيس الصيني شي جين بينغ في الصين، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى توطيد السلطة داخل الحزب. واتخاذ قرارات أكثر كفاءة داخل الحزب الشيوعي الفيتنامي، لكنه قد يؤدي أيضا إلى زيادة الاستبداد وضعف الرقابة على سلطة الحزب.

وخلال فترة عمله كرئيس للوزراء، كان فوك معروفا بسياساته وجهوده لجذب الاستثمار الأجنبي إلى فيتنام. كما أيد إجراءات تحسين البنية التحتية للبلاد، وبناء نظام قانوني حديث، وتعزيز اقتصاد أكثر انفتاحا واستدامة والحفاظ على قبضة الحزب على السلطة مع تعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين الفيتناميين.

إعلان استقالة فوك تأتي في وقت تواجه فيه فيتنام عددا من التحديات الاقتصادية والاجتماعية المهمة، فعلى الرغم من كونها واحدة من أفضل الاقتصادات أداء في جنوب شرق آسيا في عام 2022، مع نمو إجمالي الناتج المحلي بأكثر من 8%، تواجه فيتنام رياحا معاكسة في شكل ركود عالمي محتمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما تميزت السياسة الخارجية لفيتنام بالتركيز على الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع البلدان، وتحقيق التوازن في علاقاتها مع القوى الكبرى، وتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال التجارة والاستثمار الأجنبي. وأقام فوك علاقات جيدة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، وبرحيله، قد يكون الغرب حريصًا على محاولة فهم القيادة الجديدة وسياساتها.

ويرى المراقبون أن حملة نغوين فو ترونغ لمكافحة الفساد جعلت السياسة الفيتنامية أكثر إثارة للاهتمام، ولا يمكن التنبؤ بها. وهذا يجعل مراقبة التطورات عن كثب في الأشهر المقبلة أمرا مهما لفهم الآثار الكاملة لتلك الحملة على السياسات الداخلية والخارجية للبلاد، فضلا عن مستقبلها السياسي والاقتصادي. وفهم التغييرات والتحديات التي تواجهها لكن سيظل الحزب الشيوعي الفيتنامي صانع القرار الرئيسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات