تعذيب وعنف جنسي وسجن انفرادي.. أساليب استخدمتها لجنة مكافحة الفساد في العراق لانتزاع الاعترافات

كشف تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” (washingtonpost) أن لجنة مكافحة الفساد الحكومية في العراق استخدمت السجن الانفرادي والتعذيب والعنف الجنسي لانتزاع اعترافات من كبار المسؤولين العراقيين ورجال الأعمال.

وفي تحقيق نشرته الصحيفة الأميركية بينت أن هذه الحملة قامت على سلسلة من المداهمات الليلية وحظيت بتغطية إعلامية واسعة في أواخر عام 2020 على منازل الشخصيات العامة المتهمة بالفساد، والتي أجريت تحت سلطة اللجنة الدائمة للتحقيق في قضايا الفساد والجرائم المهمة، المعروفة باسم اللجنة 29؛ التي كان يرأسها الفريق أحمد طه هاشم (أبو رغيف)، والذي اشتُهِر في العراق باسم “الزائر الليلي”.

لكن ما حدث للموقوفين خلف الأبواب المغلقة كان أكثر قتامة بكثير، حيث استخدمت الأساليب البشعة لمؤسسة أمنية تعهد رئيس الوزراء حينها مصطفى الكاظمي بمعالجة انتهاكاتها.

واستسقت الصحيفة معلوماتها من أكثر من 20 مقابلة مع الموقوفين -الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم- تظهر صورة لعملية اتسمت بالإساءة والإذلال للحصول على توقيعاتهم على اعترافات مكتوبة مسبقا بدلا من المساءلة عن أعمال الفساد؛ حيث يستذكر أحد المحتجزين السابقين قائلا “لقد مارسوا علينا كل أنواع التعذيب، الصعق بالكهرباء، الخنق بأكياس بلاستيكية، وعلقونا بالسقف من أيدينا وجردونا من ملابسنا”.

وذكر تحقيق الصحيفة أن المزاعم القائلة إن العملية شابتها الانتهاكات أصبحت سرّا بين الدبلوماسيين في بغداد العام الماضي، لكن المجتمع الدولي لم يبذل الكثير لمتابعة الادعاءات وقلل مكتب رئيس الوزراء من أهمية هذه المزاعم. وعلى الرغم من أن لجنة برلمانية كشفت لأول مرة عن مزاعم التعذيب في عام 2021 وأثارت وسائل الإعلام العراقية القضية في فترات متقطعة، إلا أن هذه هي المحاولة الأشمل حتى الآن للتحقيق في الادعاءات وتوثيق حجم الانتهاكات.

ووفقا لتقديرات لجنة الشفافية البرلمانية في البلاد، خسر العراق أكثر من 320 مليار دولار بسبب الفساد منذ عام 2003 بعد أن أدى الغزو الأميركي إلى تشكيل نظام سياسي بتوافق بين الأحزاب التي تقسم موارد الدولة لتمويل شبكات المحسوبية وإثراء أعضائها. وقد أعلن معظم رؤساء الوزراء الجدد عن مبادرات للتصدي للفساد، ولكنها استُخدمت في كثير من الأحيان لتشويه سمعة الخصوم السياسيين بدلا من معالجة المشكلة.

وغالبا ما كان يُنظر إلى المسؤولين الذين تم القبض عليهم بموجب اللجنة 29 على أنهم أهداف سهلة بدون حلفاء أقوياء للدفاع عنهم، ولاحقت مزاعم بالفساد بعض المعتقلين لسنوات، لكن سرية اللجنة وغموض العملية القانونية تجعل من المستحيل معرفة عدد الاعتقالات التي كانت قانونية، وبدت بعض الاعتقالات بدوافع سياسية؛ حيث استهدفت أفرادا لهم صلات بالفصائل التي هددت المكاسب السياسية للزعيم الشيعي مقتدى الصدر أحد الداعمين الرئيسيين للكاظمي.

ووفق الصحيفة؛ قال مسؤول عراقي رفيع خدم في حكومة الكاظمي “هناك عنصر ابتزاز سياسي يلعب دورا في ذلك. إنك تهاجم قاعدة سلطة شخص ما وقوته التجارية في وكالة حكومية معينة ليس فقط لتوجيه الاتهام إليه وكشف الفساد، ولكن أيضا لإفساح المجال لفريقك في المستقبل”.

وقد وصل الكاظمي إلى السلطة في مايو/أيار 2020 مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على العراق؛ حيث حصل على دعم من واشنطن والمجتمع الدولي كشخصية وعدت بمواجهة الفصائل المتحالفة مع طهران.

وغادر معظم من كان في الدائرة المقربة من الكاظمي بغداد منذ تركه لمنصبه في أعقاب فضيحة فساد جديدة تورط فيها أحد كبار موظفيه وهزت العراق، في حين لا يزال مكان وجود الكاظمي غير معروف.

وقال مستشار كبير سابق للكاظمي رفض الكشف عن هويته متحدثا نيابة عنه، إن الكاظمي “نفى بشكل قاطع” مزاعم الانتهاكات، مضيفا أن “الحكومة السابقة التزمت بأعلى معايير حقوق الإنسان وأن تشويه سجل الوقائع سيمكن بعض المجرمين الأكثر عنفا وفسادا في العراق من الإفلات من العقاب، مشيرا إلى أن اللجنة استهدفت أيضا أفرادا لهم صلات بالفصائل”، ورفض أبو رغيف التعليق على هذه القصة.

التعذيب والعنف الجنسي

تقول جمعيات حقوق الإنسان، وفقا للصحيفة، إن حالات الاختفاء القسري والتعذيب منتشرة منذ فترة طويلة داخل المراكز التي تديرها قوات الأمن العراقية.

وعند توليه منصبه تعهد الكاظمي بالتحقيق في الانتهاكات عند ظهورها. لكن عائلات المحتجزين تقول إنها لم تتمكن في بعض الأحيان من معرفة مكان أقاربها لعدة أسابيع أثناء وقوع الجزء الأكبر من الانتهاكات المزعومة، ويقول معتقلون سابقون إنه تم احتجازهم في زنازين صغيرة داخل منشأة في مطار بغداد يديرها جهاز مكافحة الإرهاب العراقي الذي تدربه الولايات المتحدة وعادة ما تُستخدم لاستجواب واحتجاز المشتبهين بالإرهاب.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولي مكافحة الإرهاب العراقيين أن نظراءهم الأميركيين أثاروا مخاوف بشأن استخدام مراكز الاحتجاز للقيام باستجوابات غير متعلقة بالإرهاب.

وردا على السؤال عما إذا كانت قوات التحالف على علم بالانتهاكات، أو أعربوا عن مخاوفهم لزملائهم العراقيين؛ قال المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية إنه ليس لديه معلومات ليقدمها.

ويقول معتقلون سابقون ومسؤولون عراقيون إن انتهاكات إضافية حدثت في سجن تحت الأرض في المنطقة الخضراء في بغداد. وقد روى رجل اعتقلته اللجنة خلال بداية جولة الاعتقالات كيف تم تعذيبه لمدة 13 يوما بعد استجوابه عن الرشاوي وما يملكه من أموال، وعندما رفض إعطاءهم 1.5 مليون دولار استمروا في تعذيبه.

وفي بعض الحالات يتم دعم الروايات بتقارير طبية وصور تم التقاطها في الحجز راجعتها الصحيفة، ويبدو أنها تظهر إصابات تتفق مع الإساءات الموصوفة، وفي حالات أخرى قال المحتجزون إنهم مُنعوا من الحصول على السجلات الطبية لإثبات مزاعمهم.

وأشار الكاتبان إلى اتساق قصص المعتقلين المروعة، وقد قال معظمهم إنهم عُصبت أعينهم وتعرضوا للصعق الكهربائي المتكرر والضرب بالعصي والإيهام بالغرق وجردوا من ملابسهم، كما نقل رجلان على الأقل لعائلاتهم وممثليهم القانونيين أنهما تعرضا للإيذاء الجنسي. وقد وصف أحد المحتجزين منظر الرجل وهو يعود إلى زنزانته وقد كانت ساقه متورمة وأصابعه مكسورة قائلا “كان يزحف كالطفل، حتى إنه لم يكن يستطيع المشي”.

واعترفت لجنة برلمانية متعددة الأحزاب بمصداقية مزاعم التعذيب وقد تمكنت من الوصول إلى مركز الاحتجاز بالمطار في ديسمبر/كانون الأول 2020، ولكن قالت اللجنة في تقرير نُشر في مارس/آذار من العام التالي إن طلباتها بمقابلة المحتجزين على انفراد قد رُفضت.

وذكر التقرير أن المحققين لم يتمكنوا من مقابلة المعتقل جواد عبد الكاظم علوان الكرعاوي نائب مدير مطار النجف، وقد قال أقاربه ومحاميه و3 معتقلين سابقين إن الرجل البالغ من العمر 54 عاما تعرض لأشد التعذيب، ووفق شهادة أحد المعتقلين السابقين كانت آثار التعذيب على جسده كثيرة لدرجة أنهم لم يتمكنوا من إظهاره وقت زيارة اللجنة البرلمانية، وهي مُفصلة في تقارير من فحص الطب الشرعي الذي شاركت عائلة الكرعاوي نسخا منه مع صحيفة واشنطن بوست. وفي حالة منصور؛ المسؤول الذي توفي في أغسطس/آب 2021 بعد اعتقاله بـ3 أسابيع، لم تعلم عائلته قط بما حدث له في الحجز.

اهتمام لانتزاع الأموال

قاد أبو رغيف حملة مكافحة الفساد، وهو شخصية معروفة في وزارة الداخلية العراقية بالإضافة إلى أنه كان المحاور الرئيسي مع الحكومات الغربية والأمم المتحدة طوال فترة حكم الكاظمي، وقد اشتهر بعمله الصارم ضد الجريمة.

وتحدثت الصحيفة عن القبض على رئيس صندوق التقاعد العراقي أحمد الساعدي، ورئيس شركة الدفع الإلكتروني بهاء عبد الحسين، في سبتمبر/أيلول 2020، وقد قوبل الخبر بحماس في أوساط الإعلام العراقي وكذلك من قبل مراكز الفكر الغربية، لكن بعد شهور تلاشت قضاياهم عن الأنظار بعد أن أدين كلاهما بتهمة سرقة مليارات الدنانير العراقية.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن اللجنة 29 فتحت 156 قضية قبل أن تعلن المحكمة الاتحادية العليا العراقية بعدم دستوريتها وتم حلها في مارس/آذار من هذا العام، ونتج عنها إدانة 19 شخصا 7 منهم من كبار المسؤولين السابقين، لكن لم يتضح عدد المتهمين بالفساد. ومن بين القضايا الـ12 النشطة التي تعقبها مراسلو واشنطن بوست، كان 9 رجال لا يزالون في السجن وتم إطلاق سراح 3 منهم. وعبّر الزميل سجاد جياد في مركز أبحاث “سينتشوري إنترناشيونال” في نيويورك عن ضعف إنجازات اللجنة، قائلا إن جل اهتمام حكومة الكاظمي انصب على انتزاع الأموال بدلا من الملاحقة الفعلية للفساد.

وقالت الصحيفة إنه لم يتم التصريح علنا عن إجمالي الأموال التي استولت عليها اللجنة، غير أن محتجزين سابقين أو أفرادا من أسرهم قالوا إن المشتبه بهم أُخبروا في بداية التحقيق أنه قد يمكن إطلاق سراحهم إذا تم دفع أموال أو التوقيع على نقل الأصول التي بلغ مجموعها في كثير من الأحيان ملايين الدولارات، ومن غير الواضح عدد الذين تمكنوا من دفع مقابل إطلاق سراحهم، ومصير أموالهم.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت لاعبا رئيسيا في السياسة العراقية منذ غزو عام 2003، فقد استغل القادة العراقيون في بعض الأحيان جهل أو عدم مبالاة الحلفاء في واشنطن من خلال استخدام وعود الإصلاح لاضطهاد خصومهم. ورغم إثارة عائلات المعتقلين مزاعم الانتهاكات باستمرار طوال عام 2021، وتبادلها التقارير مع بعثة الأمم المتحدة والسفارات الغربية في بغداد، نفى الكاظمي المزاعم خلال المحادثات الخاصة مع دبلوماسيين غربيين ومسؤولين في الأمم المتحدة أو قال إنه سيتصرف إذا كان هناك دليل على ارتكاب مخالفات.

وأثار أحد مسؤولي حقوق الإنسان البارزين في العراق وهو علي البياتي، مزاعم الانتهاكات في برنامج تلفزيوني عراقي في عام 2020، وقد تمت مقاضاته بتهمة التشهير بعد عام من ذلك مما اضطره لمغادرة البلاد لتجنب الوقوع تحت طائلة القانون؛ حيث طالب بالمساعدة في قضيته لكن لم يحصل سوى على القليل من الدعم.

وفي الأشهر الأخيرة من رئاسة الكاظمي لمجلس الوزراء، أعلن المسؤولون القضائيون أن أكبر فضيحة فساد في تاريخ العراق وقعت تحت إشرافه، مما أدى إلى إثراء السياسيين ورجال الأعمال من جميع الأطياف السياسية، وقد أُطلق على سرقة ما يقرب من 2.5 مليار دولار من خزائن الدولة اسم “سرقة القرن”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات