شجرة ميلاد يلفها الظلام والحرب.. الجزيرة نت ترصد أجواء الأعياد في أوكرانيا

كييف- “انظر حولك وأنصت قليلًا. أحاديث الناس لا تغفل عن مستجدات الحرب، بعضهم يتواصل مع الأهل عبر الاتصال المرئي متظاهرًا بالسعادة، وكثيرًا ما تسمع هُتافات: المجد لأوكرانيا.. المجد للأبطال، بدل التهاني بالأعياد”. هكذا وصف الشاب الأوكراني أوليكساندر أجواء أعياد الميلاد في بلاده هذا العام.

ويضيف أوليكساندر للجزيرة نت “لا طعم للعيد هذه السنة في ظل غياب أكثر من نصف أطفال البلاد عنها، وفراق واسع للأهالي بسبب النزوح واللجوء، وغياب كل مظاهر الاحتفال التي نعرفها من أسواق مكتظة وأضواء ساطعة وحفلات رقص وموسيقى على مدار الساعة”.

لكن برغم الأجواء الصعبة، يقول الشاب إن “على الأوكرانيين أن يحيوا أعيادهم ويظهروا الفرح حتى لو كان تصنّعًا، لإغاظة بوتين والروس الذين أرادوا إرضاخ الشعب ونشر الحزن في صفوفه”.

وفي المحصلة، تبدو شجرة كييف في هذه السنة وحيدة وحزينة شاحبة، كما يقول كثيرون، خاصة إذا ما نظر المرء إليها من بعيد، وسط مبانٍ مطفأة الأنوار بسبب آثار القصف على منشآت الطاقة، وإلى جانب تمثال محصّن بألواح الحديد وأكياس الرمل.

جدل حول الاحتفالات

وعلى أعتاب عيد رأس السنة الميلادية الاستثنائي هذا العام، تقف أوكرانيا في واقع جديد فرضه الهجوم العسكري الروسي عليها منذ فبراير/شباط الماضي. وفي أنحاء البلاد تغيب جميع مظاهر استقبال واحد من أهم الأعياد التي ينتظرها ويحتفل بها السكان عادة، وما يسبقه ويتبعه من أعياد دينية مسيحية أرثوذكسية كذلك.

ومنذ أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، زاد الجدل حول إحياء هذه المناسبة بالصورة التقليدية المعروفة؛ من خلال نصب أشجار أعياد الميلاد ورأس السنة، خاصة “شجرة البلاد الرئيسية” في العاصمة كييف.

وانقسم الأوكرانيون بين داعين إلى نصبها لنشر البهجة في نفوس أتعبتها الحرب و”للحاجة إلى إغاظة روسيا”، ومعارضين خشية الإساءة لمشاعر النازحين ومن خسروا مدنهم وبيوتهم وذويهم في مقاطعات عدة.

أعياد بطابع وطني

ويبدو أن السلطات المحلية وجدت مخرجًا من هذا الجدل، بنصب شجرة في وسط كييف تحمل طابعًا وطنيًا بحتًا، ورسائل إلى الداخل والخارج تحاكي الرغبة بانتهاء الحرب.

وتطل الشجرة على ساحة كنيسة “صوفيا” وسط المدينة بوجه يضيء بألوان العلم الأوكراني عند وصول الكهرباء للمكان، كما تشرف على الشوارع المحيطة المظلمة ولكن بوجه مليء بحمائم السلام وأعلام دول “تدعم أوكرانيا”. أما رأس الشجرة، فيحمل شعار أوكرانيا الحكومي بدلًا من نجمة العيد.

ومع ذلك، رفضت كل مقاطعات البلاد إلغاء نظام حظر التجول خلال الأعياد، وهكذا بقيت الاحتفالات رمزية ومحدودة. أما في باقي أرجاء العاصمة، فلا شيء اليوم يدل على أن أعياد الميلاد (وفق التقويم المسيحي الشرقي) على الأبواب، إلا نادرًا جدًا، وغالبًا داخل بعض المحال التجارية فقط.

مبادرات فرح وأمل

ومع ذلك، لا تخلو كييف من أماكن أخرى “أكثر ابتهاجًا”، تشاركت فيها مبادرات فردية مع المساعي الحكومية، والهدف “المساهمة ببث الفرح والأمل لدى الأوكرانيين”.

وضم مبنى محطة كييف المركزية للقطارات شجرة أعياد ضخمة، لكن كان من اللافت إضاءتها من قِبل الراغبين بذلك، وعندها تنطلق منها أصوات أغاني الأعياد والتهاني.

في هذا المكان تطوعت الشابة أوكسانا مع أحد معارفها للمساهمة في “إسعاد الأوكرانيين وترفيه أطفالهم”، وتداوم يوميًا هنا مرتدية لباس “فتاة الثلج” مع “جد الصقيع” (بابا نويل في بلاد الغرب).

تقول أوكسانا للجزيرة نت “حرصتْ إدارة المحطة على عدم إنارة الشجرة خشية الانتقادات والإسراف. لكن يستطيع المواطنون إضاءتها بواسطة تحريك عجلة دراجة هوائية، وهكذا سنضيء نحن الأوكرانيين بلادنا، وسنبني الحياة بعد الحرب”.

ونصبت الشجرة قرب قطار كان قد ساعد سكان ضواحي كييف على الهروب من جحيم القصف. وتقول أوكسانا “في هذا رسالة مفادها إننا متكاتفون معًا، في الدولة والمجتمع، لمواجهة حرب روسيا حتى النهاية”.

وتضيف “غاية السعادة أن ترى بالقرب منك أطفالًا يضحكون ويقفزون، أو يستعجلون التقاط الصور مع الشجرة، ومعنا (أبطال الحكايا). هذا يعطينا الأمل”.

وبالإضافة إلى ذلك، شهدت كييف مؤخرًا استعراضات ضوئية على معالم رئيسية عدة في المدينة، جاءت مبادرة دعم للأوكرانيين من الفنان السويسري هيري هوفشتيتر.

وهكذا، على تمثال “الوطن الأم”، وواجهات مباني وزارة الخارجية، ومحطة القطارات، وكنائس شهيرة عدة، شكّلت الأنوار لوحات ضوئية عنوانها الأبرز: العلم الأوكراني والشعار الحكومي وحمائم سلام منشود، حتى وإن كان أُفُقه مجهولًا أو بعيدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات