سادس دولة تعاني شح المياه بالعالم.. مدن ليبية على حافة العطش بسبب السياسة والمناخ

طرابلس- تعاني ليبيا من واحدة من أسوأ أزمات المياه في العالم، ومن المتوقع أن تتفاقم في المستقبل القريب، حيث خلفت سنوات من الجفاف والحرب أزمة لملايين الليبيين في تأمين احتياجاتهم من مياه الشرب.

وتعود مشكلة ندرة المياه إلى معادلة زيادة الطلب وتراجع مستوى هطول الأمطار خلال الأعوام الأخيرة. وتعتمد ليبيا بشكل شبه كامل على المياه الجوفية التي تمثل 97% من إجمالي المياه المستخدمة للأغراض الزراعية والصناعية والمنزلية.

معضلة ليست جديدة

الجزيرة نت تجولت في ضواحي مدينة غريان الجبلية، والتقت محمد النبوت (34 عاما) الذي يحفر بئرا في محيط منزله. يقول النبوت إنه يعاني كثيرا لتوفير المياه لاحتياجات منزله، مما يضطره لإنفاق مئات الدنانير لشراء المياه عن طريق الصهاريج التي يبلغ سعر الواحد منها أكثر من 120 دينارا (25 دولارا)، وهو ما يسد حاجة المنزل 20 يوما فقط، وهي معاناة تعّود عليها السكان منذ سنوات.

ولتلافي هذه المعاناة المستمرة بسبب عدم دخول المنطقة ضمن إستراتيجية منظومة النهر الصناعي، وشح الأمطار الذي  تسبب في نقص منسوب مياه الآبار، يلجأ المواطنون في منطقة الجبل الغربي إلى حفر الآبار للوصول إلى طبقات المياه الجوفية، رغم صعوبة الحفر في هذه المنطقة الجبلية.

وناشد سكان مدن الجبل الحكومات الليبية المتعاقبة العمل على توفير المياه لهم، لكن دون جدوى حتى الآن، مما دفع سكان المنطقة إلى حفر الآبار في منازلهم بغض النظر عن اللوائح البيئية والاقتصادية التي وضعتها الدولة.

تهديدات بالعطش

وعبّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) عن قلقها إزاء تدهور وضع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في ليبيا، مؤكدة أن أكثر من 4 ملايين شخص بينهم 1.5 مليون طفل سيواجهون مشاكل مائية وشيكة إذا لم يتم التوصل لحلول فورية وتنفيذها.

وتقول رئيسة قسم التواصل في اليونيسيف في ليبيا سعاد المراني إن تقديرات المنظمة في تقريرها الأخير جاء بناء على حالة مشروع النهر الصناعي الكبير وتحلية المياه بسبب الهجمات المتكررة على أنظمة النهر الصناعي، والتي تسببت في خروج حوالي 190 بئرا من الخدمة.

وتتابع المراني حديثها للجزيرة نت، بأنه “بالرغم من تحسن الوضع، فإن المشكلة تبقى كما هي. حيث يحتمل أن يواجه 4 ملايين شخص نقصا في المياه إذا تعرض مشروع النهر الصناعي للهجوم أو التأثر مرة أخرى”.

وتشير إلى أن البرنامج القطري الجديد لليونيسيف في ليبيا 2023-2025، يهدف إلى زيادة قدرة أنظمة المياه والصرف الصحي من أجل خدمات المياه والنظافة الصحية. وختمت المراني حديثها بأنه “سيتم إيلاء اهتمام خاص لحلول طويلة الأجل، مثل تحلية المياه والطاقة الشمسية في البلاد”.

أعجوبة ثامنة

النهر الصناعي مشروع ضخم وضع حجر أساسه عام 1984، لنقل المياه الجوفية إلى المناطق الزراعية والمدن الكثيفة السكان، وقد اعتبر الزعيم الليبي السابق معمر القذافي نهره العظيم الأعجوبة الثامنة في العالم بعد عجائب الدنيا السبع.

ويعيش حوالي 80% من سكان ليبيا البالغ عددهم 7 ملايين نسمة على امتداد ساحل البلاد، ويعتمدون على المياه العذبة التي تضخ عبر الأنابيب من خزانات جوفية في جنوب البلاد، حيث تقع أيضا الحقول الغنية بالنفط في ليبيا.

وتقوم فكرة المشروع على ضخ المياه الجوفية من وسط الصحراء عبر 4 أنابيب عملاقة، لتحمل ما يوازي ضعفي تدفق نهر التيمز الذي يمر بلندن، من الجنوب إلى الشمال الليبي.

وفي ذات السياق، يقول الناطق باسم جهاز النهر الصناعي صلاح الساعدي إن “المشروع حقق نجاحات كبيرة من خلال تزويد عدد كبير من المدن الليبية بالمياه التي توصلها أنابيب النهر الصناعي لتلك المدن”.

ويتابع الساعدي متحدثا للجزيرة نت أن مشروع النهر الصناعي تعرض لعدد من الاعتداءات من مجموعات خارجة على القانون، أو من الأهالي بهدف إجراء توصيلات غير قانونية، مما تسبب في قطع المياه عن عدد من المدن والأحياء، وهذه أكثر المشاكل التي كنا نعاني منها بسبب عدم الاستقرار في بعض المناطق.

ويستطرد قائلا “نواصل العمل رغم الصعوبات التي تعترضنا، مثل التعامل مع ثلاث حكومات في ذات الوقت، لكن اليوم خرجنا من عنق الزجاجة حتى نستطيع توفير المياه لكل الليبيين”.

دقّ ناقوس الخطر

يقول مدير إدارة الشؤون العلمية في المركز الليبي للاستشعار عن بعد محمد عبد الله إنه بات من الضروري دق نواقيس الخطر فيما يتعلق بملف الجفاف ومخاطره على الحياة بشكل عام في ليبيا.

ويضيف عبد الله للجزيرة نت أنه بسبب تغيرات المناخ، نقصت كميات الأمطار المتساقطة على أغلب مناطق الشمال في ليبيا التي كانت معدلات الأمطار فيها 400 مليمتر في السنة، وهي الآن لا تصل حتى إلى 200 مليمتر، كما زاد معدل البخر نتيجة ارتفاع درجة الحرارة، مما سبب زيادة الرطوبة بشكل ملحوظ وجفاف التربة وزيادة معدل التصحر.

ويعمّ المناخ الصحراوي حوالي 90% من ليبيا، وتصل فيها نسبة سقوط الأمطار إلى أقل من 100 مليمتر في السنة، أما في الجبل الأخضر فلا يزيد معدل سقوط الأمطار عن 900 مليمتر، وفي الشريط الساحلي لا يزيد معدل الأمطار عن 400 مليمتر في السنة، وتعتبر هذه المناطق -بحسب تقييم المنظمات التابعة للأمم المتحدة لمعدلات سقوط الأمطار- مناطق شحيحة أو فقيرة.

وتعد ليبيا سادس دولة تعاني من ندرة المياه في العالم، حيث بلغ مستوى الإجهاد المائي 817% في عام 2020، واعتمدت 50% من الأسر على المياه المعبأة. وتستمد 90% من المياه الليبية من مصادر غير متجددة، وهناك خطر يتمثل في أن مصدر المياه الأساسي في ليبيا سينخفض ​​بسرعة أكبر من المتوقع، مع نضوب المياه الجوفية في المستقبل القريب كونها تستخلص من مصادر محدودة أحفورية.

وتبلغ كمية المياه المتجددة في ليبيا 103 أمتار مكعبة فقط للفرد في السنة، مقارنة بالمعيار الدولي المتمثل في ألف متر مكعب للفرد في السنة كحدٍ أدنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات