رفض عمالي لمشروع تقدمت به الحكومة.. 25 مليون عامل مصري يترقبون قانون العمل الجديد

القاهرة – رحبت وزارة القوى العاملة المصرية بالملاحظات بشأن مشروع قانون العمل المطروح حاليا، في حين تتحدث قوى عمالية عن إقصائها عن مناقشة القانون، بالتزامن مع تحذيرات حقوقية وحزبية من تأثيره على 25 مليون عامل.

ويأتي القانون الذي يناقشه مجلس النواب حاليا وسط تأكيدات حكومية أنه يعالج سلبيات القانون الحالي، ويحافظ على حقوق العمال وأصحاب العمل، غير أن نقابات العمال ومنظمات حقوقية والعديد من أحزاب المعارضة ترفضه، وكان لغياب الحوار المجتمعي بشأن القانون الجانب الأبرز من اعتراضات الرافضين له.

ويبلغ العمال في مصر نحو 25 مليون فرد، وفق تقديرات رسمية. ويعالج القانون المقترح سلبيات القانون الحالي رقم 12 الصادر في عام 2003، ويبلغ عدد مواده 267 مادة.

ووفق مراقبيْن تحدثا للجزيرة نت، فإن الحوار المجتمعي بمشاركة كل القوى ضرورةٌ قبل تمرير القانون، وإن أي إقصاء من مناقشة القانون يشكل انتهاكا لحقوق العمال المتدهورة بالأساس، ويؤثر على شرعية القانون حال تمريره.

قانون متوازن

يلقى تمرير مشروع القانون اهتماما لافتا من وزير القوى العاملة حسن شحاتة، إذ حرص على حضور مناقشات لجنة القوى العاملة في مجلس النواب، على غير عادة العديد من الوزراء في اجتماعات اللجان الفرعية.

ووفق بيان رسمي، أكد الوزير شحاتة أن الوزارة ترحب بكافة الملاحظات من أي جهة مختصة بشأن مشروع قانون العمل المطروح حاليا بمجلس النواب، موضحا أن كل الملاحظات ستكون موضع اهتمام ودراسة طالما تصب في صالح تعزيز علاقات العمل بين أطراف العمل الثلاثة (الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال) وتحقق الأمان الوظيفي للعمال وتشجع على الاستثمار.

ومن أبرز مميزات القانون الجديد -وفق رؤية وزارة القوى العاملة- ما يلي:

  • يلبي تطلعات الشعب المصري في تحقيق العدالة والتوازن بين مصالح العمال وأصحاب العمل، ويقوم على فلسفة جديدة مفادها بناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، تضمن استمرارية العمل وخلق مجتمع عمل متوازن ومناخ عمل مستقر.
  • يحقق الأمان الوظيفي في هذا القطاع من خلال حظر الفصل التعسفي، ووضع ضمانات منضبطة لإنهاء علاقة العمل.
  • يعالج القصـور الوارد في قانون العمل الحالي الصادر بالقانون رقـم 12 لسنة 2003، وتطبيق مفهوم النصوص الدستورية، ومتماشيا مع المبادئ الدستورية التي قررتها المحكمة الدستورية العليا.
  • يحل تعثر التسوية الودية بين طرفي علاقة العمـل، وبطء عمليات التقاضي، وعدم جدوى الجزاءات الجنائية، وتعليق العديد من المنازعات العمالية، وعدم التنسيق بين قانون العمـل وقوانين التأمينات الاجتماعية والمعاشات، والطفل.

مؤيدون

ويساند الحكومة المصرية في تمرير القانون نوابُ حزب “مستقبل وطن” (الأغلبية المحسوبة على الحكومة) واتحاد العمال (نقابة رسمية).

ونجحت الحكومة في تمرير الموافقة المبدئية على القانون من لجنة القوى العاملة بمجلس النواب نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، في انتظار مناقشة القانون في الجلسة العامة لمجلس النواب في وقت لاحق.

وأكد القائم بأعمال رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر محمد جبران أن مشروع قانون العمل الجديد يعالج سلبيات القانون الحالي، كما أن به العديد من المميزات، وتعهد بتحقيق أكبر مكاسب للعمال بما يضمن لهم علاقات عمل متوازنة.

وأكدت وكيلة لجنة القوى العاملة بمجلس النواب سولاف درويش أن اللجنة حريصة على صدور قانون متوازن يحقق مصالح أطراف العمل الثلاثة من حكومة وأصحاب أعمال وعمال، فضلا عن إنصاف المرأة في مجال العمل.

انتقادات الرافضين

في المقابل، تكثف القوى العمالية المستقلة أو المحسوبة على اليسار رفضها مشروع القانون، خاصة مع استبعاد البرلمان طلبات المنظمات النقابية المستقلة عقد جلسات استماع لها.

وبحسب بيانات القوى المعارضة، فإن من أبرز بنود الرفض لمشروع القانون الحكومي:

  • التناقض مع الدستور والاتفاقيات الدولية ونصوص أخرى تتعارض مع مثيلتها في قانون الخدمة المدنية، مما يعد تمييزا غير دستوري بين المواطنين.
  • مشروع القانون الجديد يكاد يكون هو القانون الحالي نفسه، مع تعديلات تضيف امتيازات جديدة لأصحاب الأعمال، خاصة بشأن الأجور والعلاوات والتوظيف، علاوة على السلطات الواسعة في تسريح العمالة.
  • عدم حل مشروع القانون المشكلات التي كشف عنها تطبيق القانون الحالي خلال 20 عاما، مثل مواد تسريح العمال التي تسهل لصاحب العمل التلاعب بالمحاكم والتحايل على القضاء.

في هذا السياق، يرى الوكيل السابق لنقابة مصممي الفنون التطبيقية ياسر صديق حسين أن الخطوة الأولى من أي حكومة تريد إنصاف العمال هي الاستماع لهم من أجل حل مشاكلهم، ولكن الاستبعاد الحالي لممثلي النقابات العمالية المستقلة، والاكتفاء باتحاد العمال الذي تسيطر عليه الحكومة، أمر يثير الريبة في القانون الحالي.

وفي حديثه للجزيرة نت، ينتقد حسين عدم استعداد الحكومة الحالية لأي تجاوب مع ملاحظات العمال المستقلين، مؤكدا أن ذلك يزيد من شكوك الجميع في صدور قانون يضر بحقوق العمال، وبالتالي يضر بالمنظومة المهنية المحيطة بهم.

بدوره، أعلن وزير القوى العاملة الأسبق أحمد البرعي رفضه صدور القانون في هذا التوقيت، مؤكدا أنه “وقت غير مناسب لإصدار تشريع بأهمية قانون العمل لوجود اضطراب شديد في سوق العمل، مع توقف الكثير من المصانع”.

وفي ندوة حوارية نظمتها دار الخدمات العمالية والنقابية يوم 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أوضح البرعي أن القانون الجديد كان يمكن الاستغناء عنه وقصر الحديث عن الأجر والعلاوة، لأن كافة نصوصه الأخرى كما هي تقريبا في القانون الحالي.

وأشار إلى أن الأجر والعلاوة لا يمكن تحديد أرقام قاطعة وثابتة لهما في القانون، “بل يجب ربطهما بمستوى المعيشة والتضخم، حتى لا نحتاج لتغيير القانون كلما تغير الوضع الاقتصادي والاجتماعي للعمال”، بحسب وصفه.

تحرك معارض

جهود القوى العمالية الرافضة تجد دعما حقوقيا لافتا ومساندة من 7 أحزاب مصرية ورموز سياسية ونقابية وبرلمانية معارضة.

ويرى المدير التنفيذي للشبكة المصرية لحقوق الإنسان أحمد العطار أن “ممارسات الحكومة في مناقشة قانون العمل الجديد سيئة، وتجسيد لباقي ممارساتها التعسفية في القوانين والقرارات التي لا تقدر أهمية الحوار المجتمعي، لأنها ترى رؤيتها هي الجديرة بالتمرير، ومن هنا تتكرر الأزمات”.

وفي حديثه للجزيرة نت، يشير العطار إلى أن الشبكة الحقوقية ترصد احتناقا بالغا في الطبقة العاملة جراء ظروف العمل المجحفة، وتآكل الحقوق الاقتصادية للعمال، وتأخر رواتبهم ومستحقاتهم المالية، وتجاهل أصوات المضربين عن العمل في العديد من الشركات والمصانع تنديدا بالإجراءات التي يقوم بها رجال الأعمال، والتي دفعت بعض العمال للانتحار لعدم تقاضيهم أجورهم وإحساسهم بالعجز أو القهر في العمل.

ويشدد الحقوقي المصري على أهمية إجراء حوار مجتمعي حقيقي مع كافة أطياف المجتمع العمالي في مناخ صحي يحترم الحقوق الدستورية، بدلا من الإقصاء أو التخويف، خاصة أن الاتجاه الذي ترفض الحكومة مشاركته في مناقشة القانون العمالي هو الاتجاه نفسه الذي تطلب مشاركته في الحوار الوطني ومحسوب على الحركة المدنيّة، وهو ما يؤثر على الشرعية المجتمعية للقانون في حال تمريره.

من جانبه، يقود إيهاب منصور وكيل لجنة القوى العاملة في مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي (حركة مدنية معارضة) حركة الدعم البرلماني للعمال المعارضة.

وقال منصور، في بيان رسمي، إن هناك أكثر من مشكلة في مشروع قانون العمل، ومنها: مشكلة المجلس القومي للأجور الذي لا وجود له فعليا ولا يستطيع تطبيق الحد الأدنى للأجور في جميع مواقع العمل، وهناك مشكلة في استغلال الموارد وتوظيفها لصالح العمال.

وسجلت دار الخدمات النقابية والعمالية رفضها لمشاركة اتحاد العمال فقط في المناقشات البرلمانية، مؤكدة أنه “لا يضم سوى عضوية إجبارية نسبتها أقل من 10% من عمال مصر، في حين هناك نقابات مستقلة وأغلبية ساحقة من العمال غير منظمة نقابيا تم رفض الاستماع لها من مجلسي الشيوخ والنواب حتى الآن”.

وكشف المنسق العام للدار كمال عباس عن اتفاقه يوم 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي مع النائب إيهاب منصور، ورئيس حزب الإصلاح والتنمية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان محمد أنور السادات، على التنسيق لحشد أكبر عدد ممكن من نواب الأحزاب المعارضة حول رؤية العمال المستقلين بشأن مشروع قانون العمل المطروح للنقاش بالبرلمان.

وأكد عباس -في بيان- أن “ما يهمنا هو إيصال صوت العمال، خاصة وأن مشروع القانون لا يحقق للعمال الأمان الوظيفي ولا الحق في أجر عادل، وهما أهم جانبين في أي تشريع للعمل”.

وعبّر رئيس حزب الإصلاح والتنمية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان محمد أنور السادات عن تفاؤله بإمكانية حشد نواب الأحزاب المهتمة بحقوق العمال وبالحريات النقابية، بالإضافة إلى نواب مستقلين أو حتى بعض نواب الأغلبية الذين لديهم قدرة على الرؤية المتزنة لإحداث التغييرات المنشودة، وفق بيان رسمي.

وفي 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلن 7 أحزاب مصرية في بيان رسمي انضمامهم للرفض الحقوقي والعمالي وهم: الكرامة، والشيوعي المصري، والاشتراكي المصري، والوفاق القومي الناصري، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والعيش والحرية.

وأوضح البيان -الذي شارك في التوقيع عليه منظمات نقابية ومراكز حقوقية وأحزاب سياسية وشخصيات عامة وقيادات نقابية وعمالية- أن القانون المقدم من الحكومة يتضمن رغبات رجال الأعمال فقط، محذرا من أن تجاهل الاستماع للعمال بشأن قانون العمل يهدد الاستقرار الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات