قتلى وجرحى وتدهور أمني مفاجئ بالعراق.. ما الأسباب والتداعيات؟

بعد هدوء نسبي شهده العراق خلال الأشهر الماضية، عاد التوتر الأمني إلى الواجهة مجددا على خلفية هجومين مسلحين وقعا الأحد والاثنين الماضيين، بمحافظتي كركوك (شمال) وديالى (شمالي شرق)، في حين تناقلت وسائل إعلام عن تبني تنظيم الدولة الإسلامية للهجوم الأول واتهام القوات العراقية للتنظيم بالوقوف وراء الهجوم الثاني.

وأثار الهجومان ذعر الكثيرين وفتحت الباب على تساؤلات أهمها أسباب تجدد الخروقات الأمنية وتداعياتها، وسط مخاوف من عودة نشاط التنظيم أو تجدد العنف الطائفي، لا سيما في ظل استهداف عدد من المدنيين في إحدى قرى ديالى.

حصيلة الهجمات

وأكدت مصادر عراقية أن الهجوم الأول استهدف بعبوة ناسفة دورية للشرطة في قرية علي السلطان التابعة لناحية الرياض جنوب غربي كركوك، حيث أسفر عن مقتل 9 أفراد بينهم ضابط برتبة رائد، في حين أصيب شرطيان آخران بجروح خطيرة، حيث يعد هجوم كركوك الأعنف بعد سلسلة عمليات أمنية شنتها القوات الأمنية طيلة الأشهر الماضية ضد خلايا التنظيم في منطقة تعرف بـ”مثلث الموت” وتقع على حدود محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك.

أما الهجوم الثاني فقد وقع الاثنين الماضي، واستهدف خلاله مسلحون مجهولون قرية البوبالي التابعة لقضاء الخالص بمحافظة ديالى (80 كيلومترا شمال شرق بغداد)، وأسفر عن مقتل 8 مدنيين وإصابة 3 آخرين، بينهم شخص بجروح بليغة، بحسب برقية أمنية تسربت لوسائل الإعلام.

الأسباب

وتعد الحوادث الأمنية الأخيرة في البلاد ضمن سلسلة خروقات بين الفينة والأخرى، رغم أن الحكومة العراقية كانت قد أعلنت النصر على التنظيم منذ 5 سنوات، إذ غالبا ما تتركز الهجمات في “مثلث الموت”، وهو ما يعزوه عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية محمد المحمدي إلى قلة وعي منتسبي القوات الأمنية، وانشغالهم بأجهزة الموبايل أثناء الواجبات، بحسب تعبيره.

وعن دلالة الهجمات الأخيرة، يعلق المحمدي للجزيرة نت بالقول إنه “بعد مقتل ما يسمى بخليفة الدولة الإسلامية، وتعيين خلف له، تحاول خلايا التنظيم إحداث بعض الفعاليات لمحاولة إثبات الوجود، وأن القوات الأمنية ليس لديها أي تقصير في مهامها، بقدر ما أن منتسبيها يحتاجون إلى التوعية والالتزام بواجباتهم، وهو ما تعمل لجنة الأمن والدفاع النيابية على تأكيده للقادة والضباط العسكريين، بغية الحد من تكرار مثل هذه الخروقات”.

من جانبه، عزا قائد عمليات محافظة كركوك اللواء الركن جبار الطائي، أسباب تركز وتكرار عمليات تنظيم الدولة في المنطقة الحدودية لمحافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين للطبيعة الجغرافية للمنطقة التي تتشكل من تضاريس طبيعية صعبة، لافتا إلى أن التنظيم يسعى للاستفادة منها بما يتلاءم مع هجماته وتخفي عناصره.

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن الهجوم الأخير يهدف لكسر العزلة التي فرضها تعاون المواطنين الآني مع القوات الأمنية، وأنه لا علاقة للهجوم بقرار الحكومة العراقية سحب الجيش من المدن وتسليم الملف الأمني لوزارة الداخلية، وفق تعبيره.

محاولات بث الفتنة

في غضون ذلك، استبعد محافظ ديالى مثنى التميمي أن تكون هناك تداعيات لهجوم قرية البوبالي التي لم تشهد أحداث مماثلة من قبل، عازيا ذلك للوعي الأمني والتضامن المجتمعي، مبينا أن الغاية من الهجوم كان إثارة العنف الطائفي من خلال استهداف قرية فيها تنوع طائفي، مؤكدا أن الحادث إرهابي وليس جنائيا، بحسبه.

وخلال اتصال لمراسل الجزيرة نت بالمحافظ وسؤاله عن أسباب إصرار عناصر التنظيم شن مثل هذه الهجمات، أشار إلى أن هناك مصالح مشتركة بين التنظيم وجهات لم يسمها، تسعى لإحداث إرباك أمني في المحافظة، وأن السبيل للقضاء على ذلك تعزيز قدرات القوات الأمنية وإعادة النظر في الأقسام الاستخباراتية.

في غضون ذلك، قال قائممقام قضاء الخالص عدي الخدران، إن قرية البوبالي من القرى المسالمة ولا تملك خلافات مع القرى المحيطة، مبينا ان الهدف من استهدافها محاولة لتكرار سيناريو قضاء المقدادية شمالي شرق المحافظة، عندما تمت مهاجمة قرية من المكون الشيعي، لتأتي ردة الفعل تجاه قرية نهر الإمام من المكون السني، مؤكدا أن عقلاء القرية المستهدفة والقوات الأمنية تداركوا ذلك في قرية الوبالي.

تعدد مصادر القرار

وفي الوقت الذي يجري الحديث فيه عن أن هجوم محافظة ديالى جنائيا وليس إرهابيا، أكد المحمدي على أن مؤشرات الحادث تدل على أنه إرهابي، وأن مجريات التحقيق حول الموضوع لا تزال سارية، معلقا “إن تعدد أصناف القوات الأمنية الماسكة للأرض وعدم التنسيق فيما بينها، كان له دور في تجدد الخروقات الأمنية”، معتبرا أن هذا الأمر لا يقتصر على محافظتي ديالى وكركوك.

ويذهب في هذا المنحى قائممقام الخالص، حيث أضاف أن القيادة العسكرية سحبت أكثر القوة الموجودة في قضاء الخالص، حيث انسحبت بحدود 6 سرايا عسكرية من شرطة الطوارئ والجيش، في حين إن القوة المتواجدة حاليا لا تزيد عن 3 سرايا من أصل 4 تابعة لفوج واحد من الجيش، إضافة إلى سحب 3 سرايا من شرطة الطوارئ إلى ناحية المنصورية شمالي شرق الخالص، مشيرا إلى أن التدخلات السياسية في الملف الأمني والضغط على القادة الأمنيين في توزيع القطاعات ساهم في تكرار مثل هذه الخروقات.

ضعف الجهد الاستخباراتي

وتعليقا على ذلك، قال الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، إن استمرار الخروقات الأمنية يعود لمجموعة أسباب، أولها كثرة التغييرات في المناصب الاستخباراتية وفقدان المعلومة الاستخبارية، وعدم وجود جهد استخباراتي كافٍ في المنطقة المحصورة بين محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك، فضلا عن صعوبة الطبيعة الجغرافية للمنطقة التي تحتوي على وديان ومرتفعات كثيرة، مثل وادي زغيتون ووداي الشاي ووادي أم الخناجر وجبال حمرين وحوض العظيم وغيرها.

ولتدارك تكرار الحوادث الأمنية، شدد أبو رغيف في حديثه للجزيرة نت، على ضرورة إعادة تفعيل خلية الصقور الاستخباراتية المتخصصة في ملاحقة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، والتي تم تعطيلها في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، فضلا عن دعم المصادر بمزيد من الأموال، والاهتمام بالجهاز الاستخباراتي بما يحتاجه من دعم مادي وطائرات مسيرة، وتوفير المتطلبات اللازمة لبناء قاعدة بيانات.

وأشار إلى ضرورة دعم المختارين في تلك المناطق وإعادة تدوير القطاعات الأمنية والقطاعات الماسكة، والعمل بالمفارز الجوالة والثابتة ونقاط التفتيش المفاجئة، إضافة لتوجيه ضربات شبه يومية لخلايا التنظيم، مع عملية متعددة الصفحات في آن واحد، وبالتوازي مع إعادة التداول في مختلف الخطط العسكرية.

أما عن مدى خطر تلك الهجمات وأبعادها المستقبلية، يعلق أبو رغيف “إن التنظيم يضعف ولا يموت، ويختفي لكنه لا يأفل نشاطا، ولطالما هو تنظيم عقائدي سيبقى بتلك النزعة الشرسة، مع امتلاك القوة وروح المبادرة، لأنه لا يعتمد بعمله على روح الجماعة”.

ولم يستبعد في ختام حديثه عودة التنظيم إلى الواجهة، لافتا إلى أنه قد يكون بنمطية أخرى لا تعتمد على دولة التمكين، أي بمعنى لن يملك قاعدة إطلاق أخرى، لافتا إلى أنه في الوقت الحالي هناك مفرزتان فقط فاعلتان للتنظيم في محافظة كركوك، بحسب تعبيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات