قانون جديد يصنفهم “أخيارا أو أشرارا”.. مهاجرون أصابهم اليأس بعد سنين من رفض إقامتهم في فرنسا

باريس- ما يزال المهاجر التونسي “هادي” يبحث عن تسوية وضعيته القانونية، ويسعى وراء أوراق الإقامة في فرنسا، رغم أنه وصل إليها قبل 23 عاما.

لم يترك الرجل الخمسيني بابا إلا طرقه، ولا وثيقة إلا أحضرها لإدارة الهجرة، إلا أن السلطات الفرنسية لم تمنحه الإقامة، وهو ما أدخله في حالة من الاكتئاب والاضطرابات النفسية.

يقول هادي للجزيرة نت “بعد 10 سنوات من وصولي لفرنسا، قدمت ملفا كاملا بكل الأوراق المطلوبة، وكان أملي كبيرا وقتها بأن أستفيد من حق الأقدمية الذي ينص عليه القانون لأتمتع بالإقامة الدائمة، لكن السلطات سلمتني وصلا إداريا صالحا لثلاثة أشهر فقط”.

واستمرت الدائرة المختصة بالشرطة الفرنسية بتجديد تصريح هادي كل 3 أشهر لمدة عامين دون أي تقدم يُذكر على طلب إقامته، وقال “لما اعترضت على هذه الوضعية المعقدة، أجابني ضابط الشرطة في المحافظة بكل غطرسة: إذا لم تعجبك هذه الحال، تستطيع العودة إلى بلدك أو سنقوم بترحيلك في أي وقت”.

يتابع المهاجر (54 عاما) “قمت بتغيير عنواني وقدمت طلبا وملفا جديدا، وبعد تسويفات كثيرة من المحافظة رُفض ملفي مرة أخرى”.

وفي انتظاره الحصول على الإقامة، فقد هادي أباه في تونس ولم يستطع العودة لوداعه، وهو يعيش الآن -كما يقول- على أمل وحيد هو العودة إلى وطنه والارتماء في حضن أمه التي تقدم بها العمر وأنهكها المرض والفقد والغياب.

وهادي ليس الوحيد على هذه الحال المعقد، بل هو واحد من 600 ألف إلى 700 ألف مهاجر يعيشون في وضعية هشّة بأنحاء فرنسا من دون أوراق إقامة، وفقا لتصريح وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين لصحيفة “لو باريزيان” في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

قانون فالس

ورغم ارتفاع عدد المهاجرين ومساهمتهم الفعالة في الاقتصاد والنسيج الاجتماعي، فإن سياسة الهجرة والقوانين الخاصة بالمهاجرين في فرنسا بقيت تراوح مكانها.

ومنذ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، يخضع المهاجرون هنا إلى ما يعرف بـ” قانون فالس”، نسبة إلى وزير الداخلية مانويل فالس في عهد الرئيس فرانسوا هولاند، والذي يفصّل شروط الحصول على أوراق الإقامة للمهاجرين غير النظاميين.

وينقسم القبول الاستثنائي لتسوية وضعية الأجانب الذين دخلوا البلاد بصورة غير نظامية، المنصوص عليه في قانون دخول وإقامة الأجانب والحق في اللجوء، إلى نوعين من تصاريح الإقامة، يسمى الأول “الحياة الخاصة والعائلية”، أما الثاني فيشمل الموظفين و”الأُجراء”.

ويجب على المهاجرين الذين يريدون الحصول على تصريح إقامة “الحياة الخاصة والعائلية”، أن يثبتوا بأي وسيلة أنهم قضوا على الأراضي الفرنسية مدة 10 سنوات على الأقل.

أما فئة الموظفين والأُجراء، فيتوجب عليهم الإقامة في فرنسا لمدة 5 سنوات على الأقل، والعمل 8 أشهر خلال العامين الماضيين مصحوبة بكشوف الراتب، أو تقديم 24 كشف راتب خلال السنوات الخمس، كما يُطلب منهم عقد عمل دائم خاص بالوظيفة الحالية أو وعد بالتوظيف.

تناقض القانون والواقع

يقول أمين عام جمعية “تجمّع المهاجرين من دون أوراق إقامة” مامادو سيسي إن المعايير المذكورة في منشور فالس -وخلافًا للاعتقاد السائد- ليست حقوقًا بقدر ما هي إجراءات شكلية تخضع لسلطة محافظ الشرطة وتقديره الشخصي.

وأضاف سيسي للجزيرة نت “بالنسبة للمهاجرين فليس بالضرورة أن يتأهلوا تلقائيا للحصول على الإقامة إذا لبوا شروط ومعايير المنشور، لكن هذا يمنحهم فقط فرصة تقديم طلبهم، لذلك نجد على أرض الواقع آلافا تُرفض طلباتهم رغم استيفائهم كل الشروط”.

من ناحية أخرى، يشير سيسي إلى أن التناقض في المنشور بين مطالبة المهاجرين بتوفير كشوف رواتب لسنوات العمل، فيما يمنع القانون الفرنسي عمل المهاجرين غير النظاميين. ولكي يستطيع المهاجر توفير الكشوف المطلوبة، عليه العثور على ربّ عمل مستعد لتشغيله وتحمل مخاطر التصريح عنه لدى الدوائر المختصة.

وفي هذا السياق، يذكر المهاجر الجزائري ناصر (اسم مستعار) أنه ذاق الأمرّين من إجراءات وبيروقراطية إدارة الهجرة الفرنسية، وأصيب باليأس وفقدان الأمل في فترة من حياته جعلته يفكر في الانتحار جراء انسداد الأفق أمامه.

ويروي ناصر للجزيرة نت قصته قائلا “بعد أكثر من 17 عاما في فرنسا، أجدني أعود إلى نقطة الصفر. لقد قدمت ملفي الكامل مصحوبا بعقد العمل وكشوف الرواتب أكثر من مرة وفي عدة دوائر، لكن الإجابة كانت دائما بالرفض بلا مبررات، فهل هناك أكثر من هذا الظلم والقهر؟”.

ويشتغل ناصر طباخا في مطعم، ويتمتع بعقد دائم مع مشغله، ولديه عقد استئجار محل باسمه أيضا، وهو يتحدث الفرنسية جيدا، لكن كل هذا لم يشفع له للحصول على الإقامة.

وللمفارقة، فإن بعض الحاصلين على الجنسية الفرنسية ممن المهاجرين السابقين لا يبدو أنهم سعداء بذلك، كما يروي العم إبراهيم الذي وصل فرنسا منذ أكثر من 40 عاما، وعمل منذ 3 عقود في مصانع السيارات، إلا أن وضعيته لم تتحسن.

يقول إبراهيم للجزيرة نت “أعيش على راتب تقاعدي لا يتجاوز 890 يوروا”، ورغم حصوله على الجنسية الفرنسية فإنه لم يتمتع حتى الآن بالسكن الاجتماعي الذي يتيحه له القانون، بل يقطن في غرفة ضيقة مستأجرة لا تتجاوز 25 مترا مربعا.

وقد تواصلت الجزيرة نت بعدة وسائل مع السلطات الفرنسية، ممثلة في مكتب حماية اللاجئين وعديمي الجنسية، ووزارة الداخلية الفرنسية، لإبداء رأيها في قضية منح الإقامة وانتظار المهاجرين سنين طويلة، لكن السلطات لم تتجاوب.

الأخيار والأشرار

وأعلنت الحكومة الفرنسية توجهاتها الجديدة بخصوص موضوع الهجرة في مشروع القانون الجديد الذي قدمه وزير الداخلية جيرالد دارمانان في 6 ديسمبر/كانون الأول أمام الجمعية الوطنية، للقراءة الأولى قبل التصويت عليه.

ويهدف مشروع القانون إلى تشديد إجراءات ترحيل المهاجرين الذين هم في وضع غير قانوني، ومَن رُفضت طلبات لجوئهم في فرنسا، ويقترح تسوية وضعية المهاجرين الذين يشتغلون في مهن مطلوبة وتعتبرها السلطات ذات أولوية.

وخلال عرضه مسودة القانون، أشار دارمانان إلى أن معاملة السلطات للمهاجرين ستكون “طيبة مع الأخيار” و”شريرة مع الأشرار”، وأضاف “إذا عملوا في فرنسا، وإذا كانوا يتحدثون الفرنسية، فسيتم دمجهم. وإذا ارتكبوا أعمال انحراف، فسيطردون. نريد من يعمل لا نريد من يغتصب”.

وللإشارة، فإن القانون المنتظر التصويت عليه في البرلمان بحلول الربيع القادم، سيكون القانون رقم 29 بشأن اللجوء والهجرة منذ عام 1980.

اعتبارات سياسية

يقول مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة “إفدي” الدولية لحقوق الإنسان المحامي عبد المجيد المراري، إن هذا القانون جاء ليلبي احتياجات اجتماعية واقتصادية، ومن أجل التنفيس عن الأزمة التي تعانيها فرنسا في قلة اليد العاملة بعدة قطاعات حيوية.

وأضاف المراري للجزيرة نت “من خلال احتكاكي بالمهاجرين، لاحظت في السنوات الأخيرة رفضا كبيرا لمطالب الإقامة رغم توفر كل الشروط المطلوبة، وهذا راجع إلى الصلاحيات الكبيرة التي يتمتع بها المحافظون وتحكمها خلفيات سياسية أكثر من أي اعتبارات قانونية، ونتيجة للمناخ السياسي المتوتر في فرنسا”.

ووفق الحقوقي، فقد ارتفعت في الفترة الأخيرة وتيرة الرفض حتى بالنسبة لمطالب الطلبة، رغم حيازتهم على شهادة التسجيل في الجامعة وإثبات التحاقهم بها. ويواجه هؤلاء قرارات ظالمة تطالبهم بمغادرة البلاد دون أي أساس قانوني، وهذا برأي المراري مؤشر خطير على عدم سلامة إجراءات سلطات الهجرة.

ويرى المراري أن الحلول تكمن في المسار القضائي من خلال الطعن في رفض طلباتهم، والتوجه للمحكمة الإدارية في مرحلة أولى، ثم إلى مجلس الدولة في مرحلة ثانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات