مؤرخ بريطاني: حرب الشتاء الروسية.. هل يسلك بوتين نهج نابليون وهتلر؟

قال مؤرخ عسكري بريطاني إن الشتاء القارس، الذي طالما ظل يصب في صالح الجيوش الروسية في الحروب التي خاضتها عبر التاريخ الحديث، سيقف هذه المرة بجانب الأوكرانيين وحلفائهم الغربيين.

وفي مقال نشرته له مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، (Foreign Affairs)، استلهم أنتوني بيفور بعض الدروس والعبر من المعارك العسكرية التي دارت رحاها في أوروبا منذ أن هزمت قوات الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر (1672-1725)، السويديين بقيادة ملكهم شارلز الـ12 بمعركة بولتافا في ما تعرف الآن بأوكرانيا. وجاءت هزيمة القوات السويدية بسبب معاناتهم من برودة طقس استثنائي آنذاك أُطلق عليه اسم “الصقيع العظيم” في 1708-1709.

على أن أشهر الانتصارات الروسية في أوروبا تلك التي حدثت في شتاء عام 1812 -أي بعد ما يزيد قليلا على 100 عام من معركة بولتافا- عندما انسحب جيش الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت من روسيا، الذي كان قد فقد ثلث قوته بسبب حرارة الصيف والمرض والجوع والإرهاق، قبل أن يتجرع الهزيمة النهائية بسبب البرد في شتاء روسيا القارس.

رغم أن الجيش الروسي فقد نحو 200 ألف من رجاله في ساحة المعركة، فإن قيادته العسكرية لم تبد كبير اهتمام بتلك الخسائر، إذ كان الضباط الروس يعاملون جنودهم الفلاحين مثل الأرقاء أو أفضل قليلا، كما يقول المؤرخ بيفور.

غير أن تعامل القيادة الروسية مع الجنود بالكاد تغير بعد نصف قرن من حربه ضد جيش نابليون، وتحديدا إبان الحرب العالمية الأولى. فقد كانت حياة الجنود الروس في الخنادق على طول الجبهة الشرقية الممتدة من بيلاروسيا غاليسيا (في شمال غرب إسبانيا) ورومانيا من عام 1915 إلى عام 1917 تجربة غير إنسانية، حسب وصف المقال.

وقد شعر الكثير من الجنود الروس بالاستياء من لجوء ضباطهم كل ليلة إلى أكواخ الفلاحين الخشبية يلتمسون فيها الدفء والراحة.

ستالين وصقيع فنلندا

بيد أن الأمور بدأت بالتغير بعد ذلك. فقد شكلت ظروف الشتاء في اليابسة الأوراسية، وهي المنطقة الأوروبية الآسيوية، بحلول القرن الـ20 تهديدا متزايدا ليس فقط للإنسان والخيول بل للأسلحة العسكرية أيضا. فرغم قوته وإنفاقه الطائل على الذخائر بشكل لم يكن متكافئا مع أعدائه، فشل الجيش السوفياتي في كسر المقاومة الفنلندية في حرب الشتاء (1939-1940).

وعندما غزا الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين فنلندا في تلك الفترة أظهر الفنلنديون أنهم أبرع من غزاتهم في أساليب القتال الشتوية، إذ ظلوا يُرهِبُون جنود الجيش الأحمر ليلا ونهارا بشنهم هجمات مفاجئة باستخدام الزلاجات وارتدائهم ملابس بيضاء للتمويه قبل أن يختفوا كالأشباح، على حد تعبير بيفور في مقاله.

ولم يكن أمام ستالين إزاء براعة الفنلنديين وشجاعتهم سوى القبول باستقلال فنلندا.

وبين الحربين العالميتين الأولى والثانية التي شهدت تطور المعدات العسكرية بشكل متسارع، أسس الاتحاد السوفياتي أكبر قوة دبابات في العالم. وتعلم الجيش الأحمر أن البنادق والمحركات تحتاج إلى مواد تشحيم خاصة في الظروف القاسية، الأمر الذي ساعد ستالين على صد جيوش الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر التي كانت على مشارف العاصمة موسكو في ديسمبر/كانون الأول 1941.

ويمضي المؤرخ البريطاني في مقاله إلى الزعم أن الشتاء الروسي (كما كان يطلق عليه) لعب أيضا دورا رئيسيا في الانتصار النهائي للجيش الأحمر في عام 1945.

وانهارت الجبهة الشرقية الألمانية في بولندا تحت وطأة الهجوم المدرع، بفضل قدرة الدبابات السوفياتية من طراز “تي-34” (T-34)، على التعامل مع الجليد والثلوج بشكل أفضل بكثير من أي دروع ألمانية.

وبعد عام 1945، أضفت تلك الإنجازات على الجيش الأحمر في حرب الشتاء سمعة “مخيفة” في الغرب. ولم يبدأ الشك يتسرب إلى المحللين الغربيين بأنهم بالغوا في تقدير القدرات القتالية للسوفيات إلا بعد غزو الاتحاد السوفياتي السيئ التخطيط لجمهورية تشيكوسلوفاكيا في صيف عام 1968، حيث كانت قوات حلف وارسو تفتقر إلى الخرائط وتعاني نقصا في الإمدادات الغذائية والوقود.

دروس من أفغانستان وجورجيا

أخيرا، في ثمانينيات القرن الماضي، تميز انهيار الإمبراطورية السوفياتية بصراعها المحكوم عليه بالفشل للسيطرة على أفغانستان، وهي دولة ذات تضاريس جعلت حرب الشتاء عصية على الجيوش التقليدية.

واتضح في كثير من الأحيان، إبان الانهيار الاقتصادي في التسعينيات، أن حكومة الرئيس الروسي بوريس يلتسين عاجزة عن دفع رواتب الضباط والجنود على حد سواء، وبات الفساد راسخا.

وكان المجندون في أغلب الأحيان على حافة المجاعة بسبب بيع مؤن الإعاشة المخصصة لهم، وتفشي السرقة والبلطجة وعدم الانضباط.

وتفاقم الفساد بعد الغزو الروسي “الفوضوي” لجورجيا في عام 2008. وبدأ الرئيس فلاديمير بوتين يغدق الأموال على القوات المسلحة؛ وشجع التبذير في المشاريع الفاخرة للمقاولين والجنرالات لزيادة أرصدتهم البنكية. وبدا أن الروس لم يبذلوا جهدا كبيرا في إعادة تقييم عقيدتهم العسكرية.

ولم يكن المفهوم الروسي لحرب المدن قد تطور بعد منذ الحرب العالمية الثانية، فقد درجت مدفعيتهم على تحطيم كل شيء وتحويله إلى ركام. واستمر هذا النهج أثناء التدخل الروسي في الحرب السورية منذ عام 2015.

الشتاء يحابي خصوم بوتين

واعتبر كاتب المقال ضم بوتين لشبه جزيرة القرم نوعا من رد فعله الغاضب على الثورة الأوكرانية -المعروفة أيضا باسم ثورة الميدان الأوروبي أو ثورة الكرامة الأوكرانية- التي أجبرت حليفه الرئيس فيكتور يانوكوفيتش على الفرار، وأفضت إلى اندلاع القتال في منطقة دونباس في شرق أوكرانيا الناطقة بالروسية.

وبعد 8 سنوات من تلك الثورة -وتحديدا في فبراير/شباط 2022- أطلق بوتين “عمليته العسكرية الخاصة” في أوكرانيا. وفي ذلك الحين، طُلب من الطليعة إحضار زيهم العسكري استعدادا للاحتفال بالنصر، وهو ما وصفه بيفور في مقاله بأنه أحد أعظم مظاهر الغطرسة العسكرية في التاريخ.

ولكن بعد 7 شهور “كارثية”، وبعدما أُجبر الكرملين أخيرا على إصدار أمر “بتعبئة جزئية” للسكان الروس، كان ذلك بمثابة تحذير لأولئك الذين تم استدعاؤهم من أن هناك شحا في الأزياء العسكرية والمعدات، بل وضمادات الجروح.

ويخلص المؤرخ البريطاني إلى أن المشكلة الهيكلية التي يعاني منها الجيش الروسي منذ أمد بعيد هي نقص في الجنود المتمرسين على القتال، تسببت أيضا في عجزه عن الحفاظ على الأسلحة والمعدات والمركبات، مشيرا إلى أن هذا القصور سيصبح مكلفا بشكل خاص في فصل الشتاء فيما يتعلق باستخدام التقنيات الحساسة مثل الطائرات المسيرة.

ومع دخول القتال مرحلة أكثر صعوبة وتحديا، فإن مآلات الصراع ستعتمد إلى حد كبير على الروح المعنوية والتصميم.

وفي حين يعاني الجيش الروسي نواقص وشحا في الطعام الساخن، تنعم القوات الأوكرانية حاليا بتدفق إمدادات ملابس التمويه العازلة، والخيام والمواقد، وأكياس النوم التي توفرها لها كندا ودول الشمال الأوروبي.

ويبدو أن بوتين ينكر الأوضاع التي يمر بها جيشه، وأن “الشتاء الروسي” يحابي خصومه هذه المرة. وربما يكون قد ارتكب خطأ آخر بتركيز صواريخه على شبكة الطاقة الأوكرانية وسكانها المدنيين المعرضين للخطر، “الذين سيتحملون أكبر قدر من المعاناة دون كبير احتمال لكسر إرادتهم”، على حد تعبير بيفور في ختام مقاله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات