“عمتي زهاوي” وغرائبية الواقع.. العراقي خضير فليح الزيدي يصنع جنة في الصحراء

تعرف أحلام “الجنة الأرضية” بأنها مستحيلة التحقق، لكنها تظل ملهمة ولا تفتأ تداعب أحلام وخيالات الأدباء والمعماريين ومهندسي التصميم، وفي رواية “عمتي زهاوي” الصادرة عام 2020 عن دار مصر العربية للنشر والتوزيع يتتبع الروائي والباحث العراقي خضير فليح الزيدي عالما غرائبيا استله من الواقع من خلال تتبع مشروع الجنة في الصحراء الذي جاء نتيجة لعقد مبرم بين الحكومة العراقية والعمة زهاوي (المعمارية العراقية الكبيرة زها حديد 1950-2016).

تقتفي الرواية أثر بطلها المهندس حسن المبعوث من لندن من قبل مؤسسة العمة للعمارة العالمية إلى العراق في أوج أزماته، ليفاجأ بمصادفات ومفاجآت غير متوقعة وعوالم وأحداث غريبة تحدث له ولكادر العمل وتحول دون إنجاز المهمة.

والزيدي كاتب عراقي ولد عام 1958 في مدينة الناصرية، حصل على شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة، عمل مدرسا للتربية الفنية في المدارس الثانوية ثم رئيسا لشعبة الفنون الأدبية بمديرية النشاط المدرسي في الناصرية، ونال جائزة الإبداع العراقية مرتين 2010 و2017.

صدرت أولى رواياته “شرنقة الجسد” عام 1984، ثم تبعتها “ذيل النجمة” (2007)، و”خريطة كاسترو” (2009)، و”أطلس عزران البغدادي”، و” فاليوم عشرة” (2016)، وأيضا “فندق كويستيان” (2014)، و”الملك في بيجامته” (2018)، و”المدعو” (2019)، و”دع القنفذ ينقلب على ظهره” (2020)، و”يوتيوب” (2022)، و”صديقي المترجم” (2022)، و”بنات غائب طعمة فرمان” (2023).

جنة صحراوية.. سجن باذخ

يقول الزيدي عن الرواية إنها “قامت على فكرة درامية مأخوذة من ثيمة وصية تحمل في بطونها دراما شيقة للمسار الروائي الحديث”.

وأضاف أنه تتبع “وصية الراحلة زها حديد (مهندسة معمارية من أصول عراقية صممت العديد من المباني في أغلب دول لعالم) كملهمة إبداعية فريدة وهي ترقد في أيامها الأخيرة في أميركا بعد تعرضها لأزمة قلبية ألزمتها مستشفى ميامي”، مشيرا إلى أن الفكرة جاءته آنذاك فاستثمرها روائيا.

ويذكر الزيدي أن الرواية “تبدأ بحضور أحد المقربين منها لتترك وصيتها بمظروف مغلف لتصميم بنايتين، ثم غادرت الحياة”، مشيرا إلى أن اسم الراحلة لم “يرد صريحا بل جعلتها محاكاة شخصية افتراضية باسم العمة زهاوي”.

وعن مسارات الرواية، قال الزيدي إنه “تم التلاعب بالوصية من ناحية التصاميم، وكذلك تزييف أرقام المبالغ الموصى توزيعها على الوارثين، من أجل التركة الكبيرة والثروة الطائلة”.

وعن التصميمين، يقول إنهما “تصميم سجن أميركي بطلب من الإدارة الأميركية ليكون أفضل سجن بـ5 نجوم، وتصميم آخر بطلب من الحكومة العراقية تكون فيه المحاكاة عالية الدقة من حيث العمارة السائلة كمنهج حداثوي في إبداعات العمة زهاوي”.

وعن هذه الجنة الغرائبية، يقول إنها “تقام في الصحراء الغربية، وقد صممت المشروع قبل رحيلها وسلمته لابن أخيها (حسن العمة)، ورفضت تصميم السجن الأميركي”، واستدرك “لكن المؤسسة سعت لتنفيذ الوصية بطريقة مختلفة التفاصيل والقصد، وهو ما انعكس كثيرا على شكل الجنة الأرضية”.

وعن سبب اختيار هذه الفكرة لمعالجة قضايا سياسية، قال الزيدي “أبحث عن فكرة غير مطروقة تحمل في طياتها الإثارة، لذا أردت تكريس فكرة أنه لا يمكن بناء جنة تحاكي الجنة السماوية مطلقا لأننا بشر أولا، والدنس قريب من البشرية”.

وبين أن الرواية تعالج دور المعمار لتحسين الصورة الأميركية في العقل الإسلامي والعربي، لافتا إلى أن العمة زهاوي وقبل رحيلها رفضت تصميم السجن الحداثي بكل جمالياته المزيفة بالتأكيد على أن السجن يبقى سجنا مهما أضفنا إليه من لمسات الفن والإبداع.

دستوبيا المكان

للزيدي عدة كتب في أدب الرحلات، منها “رحلة ابن رزاق ساعي بريد العشاق” (2020)، و”مملكة الضحك.. رحلة من باب المعظم إلى مستودع الضحك” (2021)، و”أبناء المكان” (2021).

ويقول الناقد العراقي علي حسن الفواز رئيس اتحاد الأدباء في العراق عن هذه الرواية الفائزة بجائزة الإبداع العراقي إن الروائي “يضع المتلقي أمام لعبة سرد مفتوح، يتلمس من خلالها الروائي ما هو مخفي في دواخل شخصياتها من تشوهات نظيرة لتشوه واقعها وهويتها المغيبة وذاتها الاغترابية”، مضيفا أن الرواية تبدو “وكأنها رواية بوليسية أو رواية خيال علمي”.

وحسب الفواز، فإن الزيدي “يراقب شخصياته، يضعها في دائرة معتمة، ويجعل من صراعها محكوما بإشارات سيميائية يستلها من الواقع والتاريخ والمقدس”.

وعن شخصية العمة زهاوي، يقول الفواز للجزيرة نت إن الروائي “يحجبها في أكثر فصول الرواية، إلا أنه جعلها بؤرتها المركزية والمجال التناصي الذي يحرك فيه الشخصيات الطفيلية التي تدور في عالمها، والتي تخضع إلى غرائبية وصيتها”.

ولفت إلى أن المكان في الرواية “دستوبي متشظ ومسكون بالغرائبية والشبق والأوهام تتخفى فيها الشخصيات عبر أقنعتها”.

أما عن فكرة الرواية فيقول الفواز إن لها “مساسا عميقا ببنية الرواية السردية، إذ يتحول إلى مجال تخيلي وإلى مسار وظيفي لتعزيز الرؤية السردية، ولإعطاء المتخيل السردي حافزه”.

ويعتبر أن هذا الحدث كأنه “نوع من الكوميديا السوداء في سخريته وفي استعارة تمثلاته للمكان المقدس والمكان الجحيم”.

وبحسب الناقد العراقي، فإن الرواية “تفتح باب الطلسم ليتبدى الواقع مشوها عبر الكشف عن سير شخصياته المشوهة من خلال إفاداتها واعترافاتها، وهي تتغول في خداعها وفي صراعها وعبر أقنعتها”.

عتبات ثلاث

للزيدي كتب سردية أيضا، منها “أمكنة تدعى نحن” (2008)، و”سلة المهملات عن رسائل الجند في الجبهات” (2009)، و”تمر ولبن” (2011)، و”سيد أسود باذنجان” (2012)، و”ابن شارع” (2014)، وكذلك “فلان وفلتان.. حكايات شعبية” (2002)، و”الباب الشرقي” (2013).

من جهته، يقول الناقد عقيل هاشم إن الرواية “تضعنا أمام فضاءات كتابية جديدة لنص سردي مفاهيمي مفاده التخادم ما بين المعرفي/ الأدبي بمحددات وقيمية”.

ويضيف هاشم أن الكاتب “نجح في المزج بين المعارف الإنسانية والواقع والأحداث المتخيلة، وطرح بحبكته أسئلة تدفع القارئ إلى البحث والتمحيص”.

وأشار إلى أن الرواية “قائمة على الفرضية المتخيلة للمعمارية البطلة الرئيسية، تعتمد على وصية مفترضة لها صنعها خيال الروائي، ووقائع وفاة حزينة تمت في الولايات المتحدة، وما بينهما من تفصيلات لبناء غريب نفذته مؤسسة زها حديد لمصلحة وطنها، وهو مشروع إنشاء الجنة الأرضية”.

وأفاد بأن الرواية تعتمد في بنائها على ثلاث عتبات “الأولى: الحب السائل وهشاشة العلاقات الإنسانية، والثانية: الشر السائل أو العيش مع اللابديل، والثالثة: الأزمنة السائلة حين تموت المرجعيات الكبرى”.

ويختم بأن “عالم الجنة الأرضية وصف غرائبي أراد الكاتب من خلاله كشفا طلسميا غائرا بالصراعات السياسية على أرض العراق الدموية بوصفها مكانا للنقائض والفانتازيا والأوهام والحلم بجنة لا وجود لها على أرض الواقع”.

كما تكشف الرواية -حسب هاشم- “خليطا من الانتهاكات الإنسانية والتشوهات الأخلاقية، وحتى اختيار الصحراء لإقامة مشروع الجنة الأرضية يحمل رمزيته الدالة على عقم الفكرة الأبدية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات