متحف التراث بمركز لفيف الإسلامي.. فكرة رائدة للتعريف بحضارة مسلمي القرم وجنوب أوكرانيا

“أمين القاسم”؛ طبيب متخصص في الأمراض الجلدية والتناسلية، مقيم في أوكرانيا منذ عام 1999، بدأ اهتمامه بالقراءة والتاريخ والتراث والمقتنيات الأثرية منذ طفولته؛ حيث بدأ مبكرا منذ مراحل دراسته الأولى في جمع العملات الورقية، وتشكل لديه مع مرور السنين مجموعة ألبومات كبيرة منها.

بعد تخرجه بسنوات، عمل مديرا للمركز الإسلامي في القرم بمدينة سيمفروبل بين عامي 2008 و2018، وهناك، كأنه قد وجد أرض الأحلام التي يعشقها، فقد كانت شبه جزيرة القرم بجنوب أوكرانيا مهدا لحضارات إسلامية ممتدة لقرون طويلة، وخلّفت وراءها كثيرا من المعالم الأثرية والعمرانية؛ فبرز من جديد شغف الطبيب أمين القاسم بالتاريخ والتراث، وقرر أن يوثق عبر قلمه هذا التاريخ القديم والتراث العظيم لتتار القرم منذ العام 2010، وحتى اليوم، مستثمرا صفحته على فيسبوك في كتابة مقالات توثيقية للأماكن التاريخية والأثرية التي يقوم بزيارتها.

إلا أنه خلال جولاته وزياراته الميدانية فوجئ بوجود مقتنيات أثرية بجانب مخطوطات قديمة وكتب تاريخية في حالة متهالكة في بعض الأحيان توشك على الفناء والتلاشي، وهنا برزت في ذهنه فكرة تأثيث متحف للتراث الإسلامي في القرم وجنوب أوكرانيا، لتجميع هذا التراث المشتت خشية ضياعه للأبد حال تلفه ولعدم العناية به؛ لكن انشغاله في عمله الدعوي والإغاثي بالمركز الإسلامي في سيمفروبل بالقرم حال دون البدء في تنفيذه.

ومع دخول القوات الروسية إلى القرم في عام 2014، فكر في الإسراع ببدء مشروعه الثقافي بتجميع ما يستطيع من مقتنيات أثرية وتاريخية ومخطوطات من مناطق مسلمي القرم وجنوب أوكرانيا خشية ضياع هذه الكنوز التراثية إن تأخر كثيرا، نظرا لظروف الحرب في جنوب وشرق أوكرانيا، وبالفعل بدأ خطواته الأولى لمشروع في العام 2015.

ومع اضطراره مغادرة القرم، وانتقاله إلى مدينة لفيف بغرب أكرانيا، في عام 2018، ليتولى إدارة المركز الإسلامي “محمد أسد”؛ قرر تجميع كافة المقتنيات الأثرية والوثائق التاريخية والمخطوطات القديمة، والتي جمعها على مدار 3 سنوات خلال إقامته بالقرم، بإحدى صالات المركز الإسلامي، ليواصل بعدها في تجميع المزيد حتى حقق حلمه قبل عامين في تأسيس وافتتاح أول متحف للتراث الإسلامي والوحيد في عموم أوكرانيا.

وحول أهمية افتتاح متحف للتراث بالمركز الإسلامي بمدينة لفيف، يرى الطبيب والباحث في تاريخ الإسلام والمسلمين بأوكرانيا، أمين القاسم، أنه في العقلية الأوروبية لا بد أن يحوي المركز الإسلامي ما يبرز عناصر الحضارة الإسلامية العريقة وخير ما يعكس هذا الجانب هو تأسيس متحف داخل المركز. وهذا ما دفعه بالفعل لتأسيس هذا المتحف بهدف إبراز قيم الحضارة الإسلامية ومساهمة المسلمين في الثقافة وخدمة المجتمع الأوكراني.

 ويؤكد القاسم أن زائر متحف المركز الإسلامي يصل لقناعة بأن الإسلام وحضارته في القرم وجنوب أوكرانيا جزء أصيل لا يتجزأ من تاريخ البلد. لذا يرى أن تجربة “متحف في مركز إسلامي” تعد فكرة رائدة تثري مجال التعريف بالحضارة الإسلامية في أوروبا.

وحول مبادرة الطبيب والباحث في تاريخ مسلمي أوكرانيا أمين القاسم، في تأسيس أول متحف لتراث القرم وجنوب أوكرانيا والوحيد حتى اليوم، وذلك بمركز “محمد أسد” بمدينة لفيف غرب البلاد. كان للجزيرة نت هذا الحوار.

  • كيف نشأت فكرة “متحف المسجد”، وما أهميتها؟

عندما نسمع جملة مركز إسلامي في مدينة أوروبية ما، يذهب ذهننا تلقائيا إلى أنه مكان مخصص للعبادة أو أنه مسجد تحديدا، ولكن في العقلية الأوروبية المركز الإسلامي لا بد أن يحوي ما يبرز عناصر الحضارة الإسلامية العريقة من آثار ومخطوطات وفنون منوعة، وخير ما يعكس هذا الجانب هو وجود متحف داخل المركز الإسلامي.

يقع المتحف في المركز الإسلامي بمدينة لفيف إلى الغرب من أوكرانيا، وقد أنشئ قبل عامين لإبراز قيم الحضارة الإسلامية ومساهمة المسلمين في الثقافة وخدمة المجتمع.

وإذ تبدو فكرة فتح متحف خاص بتراث المسلمين في المركز الإسلامي فكرة قديمة، فقد تأخر إخراجها بسبب ضيق الوقت والانشغال بالأمور الدعوية والعمل الإنساني الخيري.

وقد بدأت بتجميع المقتنيات من خلال الزيارات الميدانية لقرى المسلمين في شبه جزيرة القرم ومقاطعات جنوب وشرق أوكرانيا، وواجهتني في سبيل ذلك صعوبات كثيرة، منها مثلا: صعوبة إقناع بعض الأشخاص بإهدائي أو بيعي لبعض الكتب والمقتنيات القديمة لديهم لعرضها في المتحف، وأكثر ما كان يؤلمك في ذلك أن تجد مصحفا مخطوطا أو كتابا قديما لدى أحدهم محفوظ بشكل سيئ وفي حالة يرثى لها، ولا يريد التخلي عنه أبدا.

كذلك من الصعوبات أنني أمتلك بعض المقتنيات الأثرية في شبه جزيرة القرم، لكن لم أستطع نقلها لمدينة لفيف في أوكرانيا بسبب سيطرة الروس في العام 2014 على القرم وفرضهم قوانين تمنع نقل المقتنيات القديمة عبر الحدود.

ولا بد من التنويه هنا إلى المساندة والتشجيع الذي تلقيته من جانب بعض أئمة المساجد والمراكز الإسلامية في أوكرانيا، وتزويدي ببعض القطع التراثية والمشغولات اليدوية التي أهداها لهم بعض المسلمين.

أما عن أهمية الفكرة فلا بد للأوكراني الزائر لمتحف المركز الإسلامي وبعد اطلاعه على محتوياته من الوصول إلى قناعة بأن الإسلام وحضارته في شبه جزيرة القرم وجنوب أوكرانيا جزء أصيل لا يتجزأ من تاريخ دولة أوكرانيا.

كذلك يعرّف المتحف زوّاره ببعض العادات والتقاليد في الطعام واللباس والملبس لدى الشعوب المسلمة التي تسكن في أوكرانيا وتنحدر من عرقيات متعددة. لذلك فإن تجربة “متحف في مركز إسلامي” أو “متحف في مسجد” تعد فكرة رائدة تثري تجربة التعريف بالحضارة الإسلامية في أوروبا.

وبالفعل، مجموعات الطلبة الأوكران في الجامعات والمعاهد العلمية الأوكرانية التي تزور المركز، وكذلك الشخصيات والضيوف الذين يقصدون المركز الإسلامي، أبدوا إعجابهم بهذه التجربة التي أثرت جوانب معرفية لديهم.

  • هل هي المرة الأولى التي يتم فيها تأسيس متحف بمركز إسلامي في أوكرانيا؟

أزعم أنه المتحف الوحيد المتخصص بتراث المسلمين في أوكرانيا اليوم. ونأمل أن يؤدي المتحف دورا بارزا في التعريف بتاريخ وواقع المجتمع المسلم في أوكرانيا.

  • ما مقتنيات متحف مركزكم الإسلامي؟ وما الصعوبات التي واجهتكم؟

المتحف يحتوي على 3 أقسام، هي:

القسم الأول: يضم مصاحف وكتب وجرائد ومخطوطات إسلامية، وهي تحديدا من مقتنيات المسلمين الذين عاشوا على الأراضي الأوكرانية مما طُبع وخُط في مدن “بغجه سراي” في القرم و”قازان” بتتارستان و”طشقند” و”إسطنبول”.

القسم الثاني: في المتحف يسلط الضوء على تواجد المسلمين ودورهم في المجتمع الأوكراني من خلال جناح خاص بأعمال وأنشطة المسلمين في أوكرانيا عامة ومدينة لفيف خاصة من خلال صور ووثائق ومشغولات يدوية.

القسم الثالث: ويحوي هذا القسم من المتحف على عروض ومساحات مخصصة للألبسة الشعبية والفنون التقليدية للقوميات المسلمة التي تعيش على الأراضي الأوكرانية من تتار القرم وتتار قازان والأوزبك والأذر وغيرهم، وتحمل هذه المقتنيات الفنية أبعادا دينية وأخرى اجتماعية تعكس المناطق المتنوعة التي أتت منها الشعوب المسلمة التي تسكن في أوكرانيا.

وبإمكان الزائر التجول في هذه الأقسام وهو يحتسي فنجان القهوة العربية التي يعدها المركز الإسلامي لضيوفه الكرام.

  • أشرتم إلى زيارة الأوكرانيين للمتحف وخاصة طلاب الجامعات.. فماذا كانت أبرز تعليقاتهم وانطباعاتهم عنه؟ وهل سنرى تطويرا وتوسيعا لهذه التجربة؟

نعم، ملاحظة مهمة من جانبكم التركيز على انطباع طلاب الجامعات، فالجيل الشاب من الفتيان والفتيات في أوكرانيا للأسف معلوماته محدودة عن عمق الوجود الإسلامي التاريخي الطويل على الأراضي الأوكرانية، أو بالأدق معلوماته قليلة عن العطاء الحضاري الذي قدمه المسلمون خاصة في جنوب أوكرانيا في مجالات عمارة المدن والجسور والحصون والقناطر.

كذلك هناك نقص لديهم في معلوماتهم عن حجم عطاء مسلمي أوكرانيا في المجال العلمي من تأليف ونشر، والأهم قيام المسلمين بدور عسكري هام في الحفاظ على حدود الدولة الاوكرانية في فترات تاريخية عدة.

وأيضا الدور الإيجابي المعاصر الذي قام به المسلمون بعد استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفياتي عام 1991 من استعادة ممتلكاتهم والنهوض بواقعهم للمساهمة الفاعلة في نهضة المجتمع الأوكراني في المجالات السياسية والاقتصادية والمعرفية.

بالفعل، نسعى في المركز الإسلامي بمدينة لفيف إلى تطوير فكرة المتحف في المركز الإسلامي من خلال نقل هذه التجربة إلى المراكز والمساجد الأخرى في البلاد، وتطوير المتحف الحالي في مدينة لفيف عبر زيادة عدد المقتنيات واستخدام اللوحات الجدارية والشاشات التفاعلية والمجسمات الهيكلية.

  • كيف ترى التحديات أمام المسلمين في أوكرانيا، من إحياء للهوية الدينية والمواطنة والاندماج، وكيف أثرت الحرب على عشرات المراكز والمؤسسات التعليمية والتخصصية؟

تتمثل أهم التحديات التي تواجه المسلمين حاليا خلال الحرب الروسية على أوكرانيا في عاملين:

الأول: الهجرة الخارجية لعدد كبير من المسلمين من الأراضي الأوكرانية، نتحدث هنا عن قوميات مختلفة سواء من مسلمي أهل البلد الأصليين من التتار إلى المسلمين الوافدين مرورا بالطلبة الدارسين في الجامعات الأوكرانية.

الثاني: هو ارتفاع معدلات التضخم المالي والغلاء المعيشي في البلاد جراء الحرب، مما أثقل اقتصاديا كاهل غالبية العائلات المسلمة في البلاد.

وقد تركت هذه الحرب آثارا سلبية، ما نزال نعاني منها، فقد قتل عدد من المسلمين، وتضرّرت عدة مصليات ومساجد، وتغيرت خطط وأولويات المراكز الإسلامية لتتجه إلى دعم وخدمة المسلمين والمجتمع الأوكراني خاصة في مجال العمل الإنساني الخيري، من خلال تأمين المساعدات العينية من غذاء وسكن ودواء للنازحين، وتقديم الخدمات والدعم النفسي والمادي.

  • كيف هو وضع شبه جزيرة القرم وسكانها الأصليين من التتار، منذ 2014 وحتى الآن؟

منذ فبراير/شباط من عام 2014 سيطر الروس على شبه الجزيرة، ووقع تتار القرم البالغ عددهم حوالي 300 ألف نسمة تحت القوانين الروسية. وازداد الوضع هناك سوءا بشكل كبير، إذ تم إغلاق عدد من المدارس والمؤسسات الإسلامية، وتحجيم عمل البعض الآخر منها، وملاحقة وسجن نشطاء المجتمع المدني، وتقييد الحريات وفرض الرقابة على مطبوعات مسلمي تتار القرم.

وبالنسبة للمسلمين، تؤكد تقارير أكبر مؤسسة إسلامية في البلاد وهي مجلس مسلمي أوكرانيا، أن أكثر من ثلثي المسلمين اليوم في أوكرانيا خارج البلاد إما بسبب وقوع مناطقهم حاليا تحت السيطرة الروسية في جنوب وشرق أوكرانيا أو بسبب الهجرة إلى خارج البلاد وخاصة تركيا وأوروبا.

ولكن رغم هذا فإن للمسلمين تواجد مميز على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والمجتمعية، فلهم عدة نواب في البرلمان ويشاركون إلى جانب الجيش الأوكراني في القتال والدفاع عن بلادهم، ويساهمون بإيجابية مع مؤسسات المجتمع المدني في البلاد بتقديم الدعم والمساندة للنازحين والمصابين وغيرهم.

  • رئيس مجلس مسلمي أوكرانيا، سيران عريفوف دعا في تصريح للجزيرة لمساندة اللاجئين الأوكرانيين ما دور الجمعيات والمؤسسات الأوكرانية المسلمة في ذلك؟

منذ اللحظات الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا فتحت المراكز الإسلامية والمساجد أبوابها للأسر النازحة الأوكرانية عموما وخاصة المسلمين منهم، وقدمت لهم المساعدات الغذائية والطبية والنفسية، كما أرسلت متطوعيها من الشباب إلى محطات القطارات ونقاط الحدود الأوكرانية مع بعض الدول المجاورة لتقديم يد العون والاستشارات.

كذلك مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، قام قسم العلاقات والإعلام والعلاقات الخارجية في مجلس مسلمي أوكرانيا، بتكثيف جهوده الإعلامية من خلال مواقعه الإلكترونية للتعريف بآثار العدوان الروسي على الأرض والشعب الأوكراني، وخرج متحدثوه على وسائل الإعلام لتبيان قضية الظلم والعدوان التي تتعرض له أوكرانيا من جانب جارتها، كما تم استقبال ومساعدة وفود ومؤسسات إعلامية قدمت إلى أوكرانيا لتغطية أوضاع الحرب.

وتقديرا لجهودهم، جاءت عبارات التهنئة والشكر من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لمسلمي أوكرانيا ورئيس الوزراء الأوكراني لمجلس مسلمي أوكرانيا بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، وعيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك.

وقد توجت هذه الجهود أيضا بتسليم رئيس مجلس مسلمي أوكرانيا الأستاذ سيران عريفوف شهادة تقدير من البرلمان الأوكراني “عرفانا للخدمات المقدمة للشعب الأوكراني”، وذلك بحضور رئيس البرلمان الأوكراني رسلان ستيفانتشوك، ووزير الثقافة وسياسة الإعلام ألكسندر تكاتشينكو، وآنا ماليار نائبة وزير الدفاع، وممثلي الكنائس والمنظمات الدينية وشخصيات عامة.

وتأسس مركز “محمد أسد” الثقافي الإسلامي في مدينة لفيف في صيف العام 2015، وهو أكبر مركز إسلامي في غرب أوكرانيا، ويتبع له جمعية دينية وأخرى نسائية وثالثة اجتماعية، وقسم للشباب، وللمركز مرافق أهمها: المسجد والمكتبة والصفوف الدراسية والمتحف.

ويحمل المركز اسم المفكر والسياسي محمد أسد (ليوبولد فايس) المولود في لفيف عام 1900، والذي يعد من خلال أعماله وأفكاره أحد أكثر مسلمي أوروبا تأثيرا في القرن الـ20.

وإضافة إلى الخدمات التي يقدمها المركز للمسلمين في غرب أوكرانيا، فإنه كذلك يمثل مسلمي مدينة لفيف في لجنة الأديان بمجلس مقاطعة لفيف، ويشارك في اللقاءات والمؤتمرات الرسمية ذات الصلة، كما يساهم المركز بفاعلية في أنشطة ومؤسسات المجتمع المدني المحلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات