مستشفى “الثورة” خارج الخدمة.. كيف ضاعفت الحرب معاناة اليمنيين في تعز؟

بعد نحو 30 دقيقة من ربط 22 مريضا بأجهزة الغسيل الكلوي بمستشفى “الثورة” الحكومي أكبر مستشفيات مدينة تعز جنوب غربي اليمن انقطع التيار الكهربائي لتتوقف عملية الغسيل، ورغم أن الأمر تكرر مرارا قبل أن يعود التيار من جديد فإن انقطاعه هذه المرة كان لأجل غير مسمى.

ولم تجدِ توسلات المرضى الذين كانوا على الأسرّة يتهيؤون لعملية الغسيل، إذ نفد وقود الديزل تماما وخرج المستشفى من الخدمة، وتوقفت الأجهزة الطبية في جميع الأقسام، ومن بينها مركز الغسيل الكلوي.

وبصوت شاحب ومتعب يقول مصطفى -وهو أحد المرضى- للجزيرة نت عبر الهاتف إن جسمه الممتلئ بالسوائل والسموم بات يهدد حياته، بسبب توقف أجهزة الغسيل، متهما إدارة المنشأة الطبية بالإهمال.

ويضيف “لا نعرف لماذا تعجز السلطات والحكومة عن اعتماد حصة منتظمة من الوقود لتشغيل الأجهزة؟”.

ووفق إحصائيات، فإن مركز الغسيل الكلوي ينظم جلستين أسبوعيا لـ265 مريضا، وهناك مرضى آخرون يصلون إلى المستشفى من ريف المحافظة بما يصل إلى 88 حالة يوميا، ومعظمهم يفتقرون إلى تكلفة الغسيل في المستشفيات الخاصة.

وخلال ساعات التوقف أول أمس الأحد تراجعت حالة معظم المرضى الـ22 وكانوا يصارعون الموت، وفق ما قال رئيس قسم الكلى الصناعية فهمي الحناني للجزيرة نت.

ويضيف “جزء كبير من هؤلاء المرضى وصلوا من الريف وقطعوا ساعات طويلة في طرق وعرة للوصول إلى مدينة تعز (مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه) المحاصرة، وهم يطلبون تخفيف آلامهم لكنهم صُدموا بانقطاع الكهرباء”.

من جهته، يقول عوض الصلوي -وهو مصاب بالفشل الكلوي منذ 13 عاما- إنه شعر بالصدمة حين وجد قسم غسيل الكلى متوقفا بعد أن قدم من مديرية الصلو جنوب المحافظة، فحياته صارت مهددة بالسموم التي لا بد أن يتخلص منها.

وأضاف الصلوي للجزيرة نت “أحتاج لجلستي غسيل في الأسبوع، وإذا لم أنجزهما فإن السوائل تضغط على القلب والكبد، ومن ثم أدخل في حالة غيبوبة”.

أمل ضحايا الحرب

ومنذ اندلاع الحرب في محافظة تعز مطلع عام 2015 كان المستشفى الوجهة الأبرز لضحايا المعارك والقصف من المدنيين والعسكريين، وبدعم من المنظمات الطبية الدولية صمد أمام الحصار الذي فرضه الحوثيون على المدينة أواخر العام نفسه.

وأدى الحصار وحظر دخول الأدوية إلى انهيار المنشأة الطبية، وتعمقت الأزمة حين تداعت بعض أقسامها نتيجة القصف المدفعي واشتباكات المسلحين.

ومنذ إنشائه عام 1976 من قبل جمهورية الصين الشعبية لم يشهد المستشفى أي ترميم عدا أعمال تُجرى حاليا بتمويل من البنك الألماني للتنمية.

وبحسب إحصائية صادرة عن الهيئة الطبية اطلعت عليها الجزيرة نت، فإنه قدم خدماته الطبية لـ95 ألفا و869 حالة في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران 2022، بينها 1613 عملية جراحية.

ووفق رئيس قسم العدوى محمد الفقيه، فإن المستشفى يعد أكبر هيئة طبية مرجعية على المستويين الجراحي والباطني في المحافظة التي تعد أيضا الأكثر كثافة بالسكان، إذ يضم كل التخصصات ومراكز التشخيص، وتُجرى فيه كل العمليات الجراحية، كما يضم ثلاجتين للموتى، وهما مهددتان بتعفن الجثث بسبب انقطاع الكهرباء.

أزمة وقود متكررة

ورغم كونه المقصد الرئيسي للآلاف من المرضى فإن أزمة الكهرباء باتت مؤرقة ومستنزفة للمرضى والكوادر الطبية، خصوصا في أقسام الطوارئ والعناية الفائقة، وهذه هي المرة الثالثة التي يعلن فيها خروجه من الخدمة بسبب نفاد الوقود خلال عام 2022.

ويقول الفقيه للجزيرة نت إن ذلك الضغط يفرض طاقة تشغيلية كبيرة تعمل على مدار الساعة تجعله يستهلك ما لا يقل عن 1100 لتر من الديزل في اليوم الواحد، لأن المولدات هي المصدر الرئيسي والوحيد للتيار الكهربائي في ظل انقطاع خدمة الكهرباء العامة منذ سنوات.

ويضيف “تبلغ ديون المستشفى لملّاك المحطات التجارية 115 مليون ريال يمني (نحو 100 ألف دولار أميركي) تراكمت خلال 9 أشهر، في الوقت الذي قل الدعم المقدم من المنظمات الدولية”.

وأشار إلى أن منظمة الصحة العالمية منحت المستشفى 5 حصص فقط من الديزل خلال عام 2022، كل حصة تتضمن 10 آلاف لتر، ليضطر المستشفى لتوفير 26 ألف لتر أخرى من السوق التجارية.

ويطالب سكان المدينة إدارة المستشفى بالإفصاح عن مصير مداخيل العيادات الطبية من المرضى، لكن الفقيه يقول إن الدخل لا يكفي لشراء الوقود، لأن المستشفى يستقبل جرحى الحرب يوميا بصورة مجانية.

ويضيف أن “40% من المرضى والوافدين تجرى لهم فحوصات ومعاينات وعمليات بصورة مجانية بسبب الحرب التي دمرت الحياة الاقتصادية للسكان”.

حلول دائمة

من جانبه، يقول رئيس هيئة مستشفى الثورة عبد الرحيم السامعي إن أزمة انقطاع الكهرباء ستنتهي، لأن الحكومة ستوفر ميزانية شهرية دائمة للوقود، مما يضمن استمرارية عمل الأقسام الطبية طوال الوقت.

وخلال حضوره اجتماعا يترأسه وكيل محافظة تعز للشؤون المالية والإدارية لبحث حل للأزمة أضاف السامعي للجزيرة نت أن الحكومة وفرت 5 آلاف لتر من الوقود بصورة عاجلة لاستئناف العمل، إضافة إلى أن منظمة الصحة العالمية وفرت كمية أخرى أيضا.

وبحسب الإحصائيات، فإن الحكومة وفرت 39 ألف لتر فقط لتوليد الكهرباء خلال 2022، مع أن الاحتياج الفعلي في الشهر الواحد يقدر بـ36 ألف لتر على الأقل، لكن السامعي أكد على أن السلطات ستعمل ستبحث عن حل دائم.

وحاولت الجزيرة نت التواصل مع وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية إلا أن الجهتين لم تردا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات