ما العقبات التي تقف أمام حل هيئة اجتثاث البعث في العراق؟

بغداد- على الرغم من وجود اتفاق سياسي في العراق تم بموجبه تشكيل حكومة محمد شياع السوداني، حول إحالة ملف هيئة المساءلة والعدالة أو ما يعرف بهيئة (اجتثاث البعث)، إلى القضاء تمهيدا لإلغائها، فإن هناك سياقات قانونية ودستورية تحول دون الإسراع في إحالتها أو إلغائها.

وقد أكدت الهيئة أن نقل أرشيفها أو حلها من صلاحيات البرلمان وليس الحكومة التي تقدمت بطلب وفق البرنامج الوزاري والاتفاق السياسي المبرم بين قوى الائتلاف الحاكم (إدارة الدولة)، الذي يضم معظم القوى والمكونات السياسية والذي بتوافقه تشكلت الحكومة.

يقول رئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري للجزيرة نت إن طلب الحكومة إجراء قانوني في إطار الاتفاق السياسي الذي سبق تشكيل الحكومة، لكنه يحتاج إلى أن يكون في المسار الدستوري من خلال تشريع قانون في مجلس النواب ينهي أعمال الهيئة أو ينظم أعمالها بطريقة أخرى.

ولم يدلِ البدري بمزيد من التفاصيل، لكنه أشار إلى أن ما نشرته بعض وسائل الإعلام عن أعداد المشمولين بإجراءات المساءلة والعدالة غير دقيق.

ونقلت وسائل إعلام في وقت سابق عن الهيئة أن هناك ملايين الوثائق ما زالت في طريقها للتدقيق وتحمل أسماء عدد كبير من المشمولين بإجراءات اجتثاث البعث.

وطبقا للمصادر فإن تأخر تدقيق أغلب الوثائق لأكثر من 15 عاما لأسباب ربما تكون متعمدة، أو بسبب تلكؤ إداري، وأن هناك ما لا يقل عن مليون عراقي مشمول بالاجتثاث، 25‌% منهم على الأقل من الأجهزة الأمنية السابقة.

وترى القوى السنية في العراق داخل العملية السياسية وخارجها أن اجتثاث البعث أداة قمع وورقة ضد المعارضين تظهر في الغالب مع مواسم الانتخابات، كما ترى أنها من أكثر الأطراف في العراق التي تطالب بحل الهيئة، وتعمل على تحويل هذا الملف إلى القضاء، وأن تأخر حسم أسماء المشمولين وراءه دوافع سياسية وعقابية.

صلاحيات البرلمان

وفي رده على دعوات المطالبة بحل الهيئة أو إحالة أرشيفها إلى القضاء تمهيدا لحلها أكد عضو قوى الإطار التنسيقي النائب حسين العامري، أن إحالة ملفات الهيئة إلى القضاء من صلاحيات البرلمان، عبر تشريع قانون خاص بذلك، بعد المناقشة والقراءة ومن ثم التصويت على بقاء عمل الهيئة من عدمه، مشيرا إلى أن الهيئة دستورية وتمت المصادقة عليها في الدستور العراقي.

ويرى العامري في حديث للجزيرة نت أن للهيئة دورا في العمل على الكثير من الأمور المهمة والأساسية خلال السنوات الماضية ومنها إبعاد عناصر حزب البعث ممن يحملون درجات عالية في العديد من المناصب المهمة في الدولة.

وأضاف أن الهيئة حققت نتائج إيجابية وكان عملها فاعلا ومؤثرا ومنصفا في الوقت نفسه، منوها إلى المعلومات المتوافرة في الاتفاقات السياسية بأنه لن يتم إلغاؤها وإنما إعادة هيكلتها بما يُنصف الجميع، خاصة ممن “لم تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين”، وهؤلاء من الممكن أن يمارسوا دورهم وحياتهم الطبيعية بعيدا عن الإقصاء مع أخذ استحقاقاتهم الكاملة.

وتنص المادة 7 من الدستور العراقي على أنه “يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون”.

وتمكنت هيئة المساءلة والعدالة، من خلال هذه المادة، من استبعاد مئات المرشحين للانتخابات، وفصل الآلاف من وظائفهم بسبب خلفيات انتمائهم لحزب البعث المحظور.

وكان الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر قد حل حزب البعث بعد غزو العراق عام 2003، وشكّل لجنة أسماها لجنة اجتثاث البعث ثم تم تغيير اسمها فيما بعد إلى هيئة المساءلة والعدالة.

مصير التحالف

وعن إمكانية أن يؤدي تأخير إحالة الهيئة إلى القضاء أو حلها إلى الإطاحة بتحالف إدارة الدولة أو حدوث شرخ بين القوى المتحالفة، يرى البرلماني السابق مشعان الجبوري، أن لا أحد على استعداد أن يغادر تحالف الدولة ويتخلى عن وجوده في السلطة لما فيها من امتيازات أخرى، بحسب تعبيره.

ويقول الجبوري للجزيرة نت إن تنفيذ البرنامج الحكومي يعني أن تحل الهيئة نفسها وذلك من الصعب أن تقبل به، لأن مديري الهيئة معينون بدرجات خاصة، وهي تضم مئات الموظفين، وبالتالي فإن وجودها بموجب قانون، وحلها منوط بموجب قانون ترسله الحكومة إلى البرلمان للتصويت عليه، متوقعا أن ترسل الحكومة مسودة القانون إلى البرلمان قريبا.

قانون انتقالي

وعن حسم ملف اجتثاث البعث طبقا للاتفاقات السياسية يرى المحلل السياسي واثق الجابري، ضرورة حسم هذا الملف كونه واحدا من القوانين الانتقالية، لكنه بقي عالقا واستُخدم لأغراض سياسية ولا سيما قبيل كل انتخابات أو تشكيل حكومة، منوها إلى أن استثناءات أجريت عليه لأغراض سياسية أيضا، مشيرا إلى أن حسم الملف وتحديد الأطراف المشمولة وتحويل قضاياهم إلى القضاء كان ضمن الاتفاق السياسي الذي سبق تشكيل الحكومة.

ويقول الجابري للجزيرة نت إن من المؤكد أن هناك إمكانية لحسم هذا الملف إذا كانت للقوى السياسية جدية في ذلك، وبحسب ما حدده الاتفاق السياسي وهو أن يغلق هذا الملف بعد حسم متعلقاته قضائيا، منوها إلى أن الأمر لا يتعلق بمكون دون غيره، وقد يشمل المكونات الأخرى، لذلك فإن إمكانية الحل متعلقة بالإرادة السياسية، خاصة بعد أن تعهدت الحكومة بذلك.

عبث محض

ويشاطر الباحث في الشأن السياسي العراقي يحيى الكبيسي ما ذهب إليه الجابري بأن حل الهيئة يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، خاصة وأن مجلس النواب بإمكانه إنهاء عملها بالأغلبية المطلقة، مستدركا بالقول إنه لا وجود لمثل هذه الإرادة، وإن كل ما يجري عبث محض.

وقال الكبيسي للجزيرة نت إن هيئة المساءلة والعدالة تسمى في القانون جهة كاشفة وليست جهة منشئة، بمعنى أن دورها يقتصر على إجابة الجهات ذات العلاقة إذا ما كان شخص ما مشمولا بقانونها أم لا.

وأشار إلى أن طلب الحكومة من الأصل طلب غير قانوني وغير منطقي في الوقت نفسه، ومجرد محاولة للتحايل على الاتفاق السياسي المتعلق بإلغاء الهيئة، فضلا عن ذلك فإن الهيئة لا تملك قرارا في هذه المسألة، ولكن الممثلين السنة يستخدمون هذا المطلب لخداع جمهورهم، وبالتالي لن يؤثر عدم الالتزام بإنهاء ملف الاجتثاث على تحالف إدارة الدولة مطلقا.

إجراءات تسبق حلها

وعن الإجراءات القانونية التي من المفترض أن تسبق إحالة ملفات الهيئة إلى القضاء تمهيدا لحلها، يؤكد الخبير القانوني علي التميمي، أحقية مجلس النواب بحل الهيئة بعد الانتهاء من عملها بالأغلبية المطلقة، وفقا للمادة (135) من الدستور، ومن خلال الرجوع لقانون الهيئة رقم (10) لسنة 2008، حيث أوجبت المادة (19) منه، على أن تقوم هذه الهيئة بتقديم تقرير فصلي إلى مجلس النواب عن الإجراءات التي اتخذتها، كونها ترتبط بمجلس النواب وتخضع لرقابته، لذلك فهي ملزمة بإشعار مجلس النواب بانتهاء عملها أم لا.

وأضاف التميمي للجزيرة نت أن المادة (24) من قانون هيئة المساءلة والعدالة ألزمت قيام الهيئة بإعداد أرشيف عن المشمولين ووظائفهم وإحالته إلى البرلمان، حتى يقوم الأخير بتعميمه على الجهات الحكومية والمنظمات.

وأوضح التميمي أن حل الهيئة لا يحتاج إلى تشريع جديد، لأن طريقة الحل رسمها المشرّع مع كل الإجراءات في قانون الهيئة النافذ، وبالتالي فإذا ما قرر مجلس النواب الحل فإن قراره هذا هو امتداد وتكملة للإجراءات القانونية التي رسمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات