ما الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية المصرية برفض الطعن على عقود الحكومة؟

القاهرة – أسدلت المحكمة الدستورية المصرية الستار على قضية تنظيم إجراءات الطعن على عقود الدولة التي شغلت الرأي العام لسنوات طويلة منذ بدء عصر الخصخصة وبيع الشركات في تسعينيات القرن الماضي.

وقضت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار بولس فهمي، السبت 14 يناير/كانون الثاني 2023، برفض الدعوى المقامة طعنا على دستورية قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 32 لسنة 2014، بتنظيم إجراءات الطعن على عقود الدولة، وهو ما يعني:

  • عدم قبول دعاوى بطلان الخصخصة والبيع الجديدة والقديمة.
  • عدم قبول الطعون المقامة من الأفراد في المحاكم ضد الدولة والمستثمرين.
  • اقتصار الطعن على طرفي العقد والتعاقد (الحكومة – المستثمر).

يتزامن قرار المحكمة الدستورية مع بدء الحكومة المصرية جولة جديدة لطرح عدد كبير من الشركات والأصول في البورصة أو أمام المستثمرين الأجانب ضمن ما يعرف بـ”وثيقة سياسة ملكية الدولة”، التي صادق عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي نهاية العام الماضي بدعوى تعزيز دور القطاع الخاص، والخروج من الأزمة الاقتصادية.

المحكمة في أسباب حكمها قالت “إن الاقتصاد القومي مر بمرحلة دقيقة احتاج فيها إلى العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، وحجب كل ما يزعزع الثقة في سلامة البناء الاقتصادي، وضمان احترام الدولة لتعاقداتها، مما حقق حالة الضرورة المبررة لإصدار القرار بقانون المطعون فيه”.

ونفت المحكمة، أن “تكون قد صادرت حق التقاضي أو قيدته، بل جاء تنظيما لهذا الحق من خلال تحديد الفئات أصحاب الحق في الطعن على عقود الدولة، حاصرا إياهم فيمن لهم حقوق شخصية أو عينية على الأموال محل التعاقد، وأطراف تلك العقود”.

حكم المحكمة الدستورية جاء على خلاف ما ذهب إليه تقرير هيئة مفوضي المحكمة الدستورية في حيثيات تقريرها بعدم دستورية قانون تنظيم الطعن على عقود الدولة الصادر من الرئيس السابق عدلي منصور برقم 32 لسنة 2014.

وقد أرجعت هيئة المفوضين في تقريرها الصادر قبل عدة سنوات، بطلان القانون إلى “أنه لم يحز على موافقة أغلبية ثلثي النواب المقدرة بـ397 صوتا وحاز على 374 صوتا فقط، بالمخالفة للمادة 121 من الدستور، رغم تعلقه بتنظيم الحق في التقاضي، وتنظيم ولاية جهات القضاء، وتعلقه بسلطة المحاكم على الدعاوى المنظورة أمامها.

وأكد التقرير، الذي نشرته صحف محلية، أن مخالفة إجراءات التصويت على القانون للمادتين 121 و225 من الدستور أتت عليه من جذوره فأصابته في منابته وأصل شرعته، ليقع بذلك مخالفا لمبدأي سيادة القانون وخضوع الدولة للقانون المنصوص عليهما في المادة 94 من الدستور.

الآثار المترتبة على قرار الدستورية

قال أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة ورئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق رأفت فودة، إن “الآثار المترتبة على قرار المحكمة الدستورية هو حرمان المواطن المصري من الطعن على العقود التي تبرمها الحكومة مع المستثمرين؛ لأن القانون يمنع غير أطراف التعاقد من حق التقاضي”.

وأوضح في تصريحات للجزيرة نت، أن الحكم بلا شك يصب في صالح طرفي التعاقد (الحكومة والمتعاقد)؛ لأن المستثمر سيضمن بذلك عدم قيام أحد بالطعن على العقد وبالطبع لن تقوم الحكومة بالطعن وبالتالي هو قانون إيجابي للمستثمر الأجنبي. وتابع “لكن نحن كقانونيين نبحث في المقام الأول عن مصلحة المواطن المصري وحقه في إنفاق المال العام والتأكد من صحة الإنفاق في الموازنة العامة أو خارجها لأن هذا مال عام، وبالتالي هذا القانون تم حرمانه من حق دستوري بالطعن على العقود التي تبرمها الحكومة، وإذا وجد (المواطن) هناك أي مخالفة فلن يستطيع حماية ماله العام”.

من جهته، قال المستشار محمد عوض رئيس محكمة استئناف الإسكندرية سابقا، إن “القرار يغلق الباب نهائيا أمام الطعن على القانون؛ لأنها (المحكمة الدستورية) الأمر المنوط بها هو الرقابة على دستورية القوانين واللوائح وغيرها، ويجعل الحكومة بمثابة المالك للأصول في حين أنها تدير ولا تملك”.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت، أنه بعد هذا القرار سوف ترفض جميع المحاكم الدعاوى التي تنظرها بخصوص بطلان خصخصة بعض الشركات وما شابه ذلك، ويلغي أي دور رقابي على تعاقدات الحكومة والتي أثبتت التجارب أن هناك مخالفات أيدتها المحاكم المختصة، مثل بطلان بيع شركة “عمر أفندي” و”النيل” و”لحليج الأقطان” وغيرها.

شروط صندوق النقد الدولي

وقد اتفقت مصر مع صندوق النقد الدولي، لإقراضها 3 مليارات دولار، على القيام بإصلاحات مالية واقتصادية، بهدف تعزيز مرونتها في مواجهة الصدمات الخارجية، واستعادة احتياطي العملة الأجنبية، وتعزيز النمو بقيادة القطاع الخاص.

واشترط صندوق النقد على مصر قائمة من الإجراءات من بينها إجراء إصلاحات هيكلية واسعة النطاق لتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وهو ما تكفلت به وثيقة سياسة ملكية الدولة. وتهدف الوثيقة إلى مضاعفة دور القطاع الخاص في الاقتصاد ليصل إلى 65%، وجذب 40 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة بحلول عام 2026.

كما تهدف أيضا -وفق بيان مجلس الوزراء- إلى تحقيق وفورات مالية تُمكّن من دعم أوضاع الموازنة العامة للدولة، وزيادة مستويات قدرة صمود الاقتصاد المصري أمام الأزمات.

وتعهدت الحكومة المصرية، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، بتأمين 2.5 مليار دولار من بيع أصول مملوكة للدولة بنهاية السنة المالية 2022-2023 والتي سيتم بيعها مباشرة إلى صناديق سيادية إقليمية ومن خلال طرح حصص في البورصة المحلية.

وحصلت الحكومة المصرية على ما يزيد على 4 مليارات دولار من حصيلة بيع أسهم الشركات المملوكة للدولة إلى صناديق الثروة السيادية الخليجية، العام الماضي، ويعمل صندوق مصر السيادي على خطة لتسويق أكثر من 40 مشروعا بقيمة 140 مليار جنيه (الدولار يساوي 29.7 جنيها).

عوائق أمام بيع الأصول

لكن تقرير لمعهد كارينغي (الشرق الأوسط) للباحث يزيد الصايغ، قلل من جدية السلطات أو قدرتها على تحقيق ما تعهدت به، خاصة أن “المؤسسة العسكرية تعارض بيع أيٍّ من أصول الدولة عموما، وليس فقط أصولها هي”.

وذهب إلى القول إن المقاومة العسكرية هي بالتأكيد السبب الرئيس في التأخير المستمر في تعويم الشركات العسكرية من خلال البورصة المصرية أو بيع أسهمها من خلال صندوق الثروة السيادي المصري، مشيرا إلى أن ذلك يخالف تبنّي السيسي المتكرر والعلني لهذا الخيار منذ العام 2018 (إن لم يكن منذ العام 2016)، والإعلان منذ 3 سنوات عن البدء بتحضير عرض 10 شركات عسكرية في السوق، وتصريحات حكومية رسمية بقرب عرض شركتَي “الوطنية” لمحطات الوقود و”صافي” للمياه المعدنية على رأس القائمة.

جدل القانون والاستثمار

في المقابل، اعتبر نائب رئيس “الاتحاد العام لنقابات عمال مصر” مجدي بدوي، أن القانون الذي أيدته المحكمة الدستورية يصب في الصالح العام، فوفق حيثيات الحكم مر الاقتصاد القومي بمرحلة صعبة احتاج فيها إلى العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية؛ لأن الأزمة الحقيقية في مصر هي مرتبطة بجذب الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة الحالية”.

ورأى، في حديثه للجزيرة نت، أن الحكم سوف يبعث رسالة طمأنة للمستثمرين حتى لا يشعروا أن مشروعاتهم معرضة للخطر من خلال الطعن على العقود التي وقعوا عليها مع الحكومة المصرية، وهي خطوة نحو تعزيز الاستثمار وعلى الطريق الصحيح، ويجب الاطمئنان إليها لأنها صادرة من أعلى محكمة بالبلاد.

وذهب إلى القول إن الطعون على عقود الحكومة في الفترة الماضية تسببت في مشاكل اقتصادية بالبلاد وعطلت حركة الاستثمار، وأي استثمار يحتاج إلى بنية تشريعية قوية وصلبة تجعل بيئة الاستثمار آمنة ومستقرة خاصة أن الحكومة تعقد العقود من خلال مختصين وخبراء في القانون والاقتصاد وليس بشكل عشوائي.

وفي المقابل، قال الخبير الاقتصادي والأستاذ بالجامعات الأميركية مصطفة شاهين، إن مثل هذه القرارات تضر بالاقتصاد المصري ومقدرات البلاد التي هي ملك للشعب وليس الحكومة، كما أن المضي قدما في بيع الأصول لن يحل الأزمة التي تتمدد بفعل سياسات اقتصادية خاطئة، وما يجري هو حرمان الأجيال الحالية والمقبلة من ثرواتهم، وفق حديثه للجزيرة نت.

ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية هربت الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة بما فيها مصر لتخسر أكثر من 20 مليار دولار، أعقبها تخفيض الجنيه أكثر من 3 مرات من مستوى 15.7 جنيها للدولار إلى 29.7 جنيها للدولار بنسبة هبوط تناهز 90% حتى الآن وسط توقعات باستمرار تذبذب سعره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات