لوفيغارو: اغتيال كينيدي.. نظرية المؤامرة تبعث من جديد

بعد ما يقرب من 60 عاما على اغتيال الرئيس الأميركي السابق جون فيتزجيرالد كينيدي عام 1963 في دالاس، لا يزال الأمر لغزا محيرا، رغم رفع السرية عن بعض الوثائق وإتاحتها للجمهور، في عهد كل من الرئيسين بيل كلينتون ودونالد ترامب، قبل أن يفرج الرئيس جو بايدن عن 13 ألف تقرير وبرقية ومحضر اجتماعات ورسائل ومذكرات.

بهذه الجمل نشرت صحيفة لوفيغارو (Le Figaro) الفرنسية تقريرا بقلم تييري لينتز- قيم فيه معظم الوثائق التي أفرج عنها مؤخرا، والتي قد تكون الدفعة الأخيرة.

ورغم الإفراج عن مئات الآلاف من الصفحات فإن هذه الوفرة الإحصائية لا تعني الكثير لأن الحظر مستمر على محفوظات أخرى، معظمها من مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة المخابرات المركزية بحجة حساسيتها، كما أن معظمها “منقح” بما فيها الدفعة الأخيرة، حيث تخفي خطوط كبيرة أو فراغات بيضاء مقاطع كاملة من المستندات عن القارئ، مما يغذي التفسيرات التي تتحدث عن حقيقة تخفيها السلطات عن قصد.

الوقائع

قتل كينيدي (46 عاما) يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1963 برصاصات أثناء مروره في سيارة مكشوفة بأحد شوارع مدينة دالاس في تكساس، وبعد ساعات قليلة وجهت تهمة القتل إلى المشتبه به “لي هارفي أوزوالد” (24 عاما) الذي قتل على يد مالك ملهى ليلي يدعى جاك روبي أمام كاميرات التلفزيون بعد يومين من الحادث، وقد حكم على هذا الأخير بالإعدام وظل صامتا في سجنه حتى مات بالسرطان يوم 3 يناير/كانون الثاني 1967.

وتحسبا لردود الفعل الشعبية، واستباقا للتحقيقات التي يخطط لها الكونغرس، عين ليندون جونسون، نائب الرئيس الذي حل مكانه، لجنة تحقيق رئاسية من 7 أعضاء، برئاسة كبير القضاة إيرل وارين. وقد توصلت عام 1964 إلى أن أوزوالد تصرف بمفرده لأنه كان مختل العقل، وأن روبي أيضا كان “ذئبا منفردا” واستنتج أن لا مؤامرة بشأن اغتيال الرئيس.

نسخة رسمية مشكوك فيها

غير أن الشك فيما قدم عن الحدث المأساوي -كما يقول الكاتب- تسرب بسرعة إلى أذهان الناس في الولايات المتحدة وحول العالم، مستغربين نجاح مطلق نار واحد في نافذة بالطابق الخامس في إطلاق 3 رصاصات وإصابة الهدف مرتين في 6 ثوانٍ من بندقية نصف آلية، ومستغربين أيضا السرعة التي تم بها التعرف على أوزوالد واعتقاله، ثم سهولة الاقتراب منه في قبو مركز الشرطة لقتله بالرصاص.

أما لجنة وارين، فلم يكن أحد يثق باستقلاليتها، لما علم أن الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية ألين دالاس من ورائها، لأنه كان يكره كينيدي الذي عزله، وبالتالي فإنه كان هناك شك في أن مكتب التحقيقات الفدرالي أجرى التحقيقات اللازمة بشكل صحيح، كما يقول تقرير الصحيفة.

تحقيقات مضادة

ونبهت الصحيفة إلى أن نشر تقرير وارن و26 مجلدا مرفقا به لم يؤد إلا إلى إحياء القضية، مما أثار سلسلة من التحقيقات المضادة والمنشورات التي انتهى بها الأمر إلى تكوين شكوك مشروعة -حسب الكاتب- وقد لفت تحقيق المدعي العام جيم غاريسون إلى أخطاء وكالات الاستخبارات وتلاعباتها وروابطها مع القاتل المفترض، مما دفع مجلس النواب إلى استئناف التحقيق بعد 14 عاما من الأحداث، وتوصل هذا التحقيق الذي يترأسه لويس ستوكس نائب أوهايو إلى أن كينيدي كان ضحية مؤامرة، وطالب بإعادة فتح التحقيق، وذاك ما لم يفعله مكتب التحقيقات الفدرالي مطلقا، ليصبح هنالك تقريران رسميان، أحدهما رئاسي يتبنى وجود قاتل منفرد والآخر برلماني يتبنى وجود مؤامرة.

أما الاختلافات بين التقريرين فيمكن تلخيصهما -حسب الكاتب- كما يلي:

هل الطلقات ثلاث أو أربع؟

بالنسبة للجنة وارن، أطلق أوزوالد النار على كينيدي 3 مرات، واحدة أصابته في أعلى الظهر وضلت واحدة طريقها وأصابت أحد المارة، وأصابته الأخيرة القاتلة في رأسه، وكل ذلك في 6 ثوان حسب تسجيل أبراهام زابرودر (الذي التقط مشهد إطلاق النار صدفة في فيديو منزلي أثناء تصويره لليموزين الرئاسية وموكب سيارات الرئيس)، وهو أمر ليس بالسهل ببندقية مثل بندقية أوزوالد، ولكن لجنة ستوكس أشارت إلى 4 عمليات إطلاق نار، معتمدة تسجيلات الشرطة المتزامنة والصور وشهادات شهود العيان.

“الرصاصة السحرية”

حسب نسخة وارين، واصلت الرصاصة الأولى التي أصابت كينيدي مسارها لتضرب أمامه جون كونالي حاكم ولاية تكساس في ظهره، ثم بعد تشعب لا يمكن تفسيره تصيبه في الرسغ وفي الفخذ قبل أن تخرج دون تغيير أو تكسير ووجدت سليمة في سرواله، في استثناء مذهل لقواعد المقذوفات سمي بنظرية “الرصاصة السحرية” وهو وحده يحطم نظرية اللجنة الرئاسية.

مصدر الطلقات

يُظهر فيلم زابرودر أن رأس كينيدي يقوم، في لحظة اللقطة القاتلة، بحركة مفاجئة للخلف، كما لو أن الطلقة جاءت من الأمام رغم أن أوزوالد كان خلف الموكب، وقد أخفت لجنة وارن هذه الحقيقة على الرغم من مشاهدتها اللقطات، بل إنها فعلت ما هو أسوأ -حسب الكاتب- عندما عكست اللقطات التي تظهر حركة رأس كينيدي.

هل أطلق أوزوالد النار؟

لو افترضنا أن هناك 3 طلقات فقط، فلا يمكن تأكيد أن أوزوالد هو من أطلق النار، لأن اختبار “البارافين” لم تكن لديه أي آثار مسحوق على يديه ووجنتيه، كما أن وجوده في الطابق الخامس وهروبه ورحلته إلى منزله والسينما -حيث تم القبض عليه- مثيرة للشك في أن هناك من ساعده.

دافع أوزوالد

بالنسبة للجنة وارن، تصرف أوزوالد بمفرده لأنه كان مؤيدا للزعيم الكوبي فيديل كاسترو، بمعنى أنه شيوعي، ولكن لجنة ستوكس شككت في ذلك لأنه كان يتردد بالفعل على الجماعات المناهضة لكاسترو في نيو أورليانز.

اغتيال أوزوالد

خلصت لجنة وارن إلى أن روبي قتل أوزوالد لأسباب شخصية ودون أي تواطؤ من شرطة دالاس، إلا أنه اكتشف أن صاحب الملهى الليلي هذا وجد من ساعده في دخول مركز الشرطة من باب خلفي وأن له علاقة مع أوزوالد، وربما كان جنديا صغيرا في المافيا المحلية، ويعرف جيدا لدى دوائر شرطة دالاس، وبالفعل أكدت التحقيقات اللاحقة صلاته بالجريمة المنظمة.

فرضيتان

توصلت لجنة ستوكس إلى وجود “مؤامرة” ولكنها لم تذهب أبعد من ذلك، وكذلك لم يفعل مكتب التحقيقات الفدرالي، وقد استبعد من تابعوا الوثائق المنشورة نهاية السبعينيات أن يكون جونسون أمر بقتل كينيدي، ولكن المسارين اللذين يحتويان على أكبر قدر من القرائن هما اللذان يؤديان إلى وكالة المخابرات المركزية والمافيا.

وتورط وكالة المخابرات المركزية في مقتل كينيدي هو فرضية (جيم) غاريسون (المدعي العام في مقاطعة نيو أورليانز، الذي شكك في صحة نظرية الطلقة الواحدة استنادًا إلى دليل من فيلم زابرودر، الذي ادعى فيه أن طلقة رابعة أطلقت من هضبة معشبة في منتزه ديلي بلازا تسببت في إصابة رأس كينيدي بإصابة قاتلة)، وأوليفر ستون في فيلمه جون فيتزجيرالد كينيدي، ويستند ذلك إلى أمور من بينها جهود وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفدرالي معا لإخفاء الوثائق وتشويه سمعة من شككوا في أطروحة وارن، أما الفرضية الثانية فهي انتقام المافيا لما أصيبت بخيبة أمل من كينيدي وشقيقه وزير العدل اللذين شنا حربا دائمة ضدها.

والحقيقة -كما يقول الكاتب- أن من استاؤوا من كينيدي كانوا كثيرين، إذ وبخه اليمين المتطرف على سياسته لصالح السود وجهوده في تحقيق الوفاق الدولي، كما أخاف شركات النفط وكبار الصناعيين بالأمور الضريبية، حتى إن الجيش والمناهضين لكاسترو اتهموه بالاستسلام لكاسترو وحليفه السوفياتي، كما أن “المجمع الصناعي العسكري” ألقى باللوم عليه في عدم حسمه حرب فيتنام وسياسته لتقليص الأوامر العسكرية، وأخيرا لم تنس وكالة المخابرات المركزية “إسقاط” خليج الخنازير وإقالة الأشخاص الرئيسيين المسؤولين عن الفشل الذريع هناك، مع أن المؤسسات الرسمية لم تشارك على الأرجح على أعلى مستوى.

مؤامرة دقيقة

تم تنفيذ كمين دالاس من قبل محترفين فكروا في كل شيء تقريبا -كما يقول الكاتب- وقد كان مدعوما من قبل جميع كبار القادة السياسيين الأميركيين الذين أدركوا الضرر الذي قد يسببه الكشف عن الروابط بين أوزوالد وروبي وبعض المجموعات الصغيرة المشتركة بين وكالة المخابرات المركزية والمافيا، فإذا لم يكن جونسون وهوفر وآخرون متواطئين في الاغتيال، فإنهم وضعوا كل ثقلهم في الميزان لتجنب الفضيحة، وبالفعل كانت فكرة إنشاء لجنة وارن ممتازة، لأنها هدأت قلوب الناس لمدة عام ومكنت من خلال التسريبات المنظمة من تعزيز النسخة التي أصبحت رسمية دون معارضة، حسب ما يرى الكاتب.

ومن المؤكد أن أسماء الرعاة الحقيقيين لاغتيال كينيدي غير معروفة، ولكن المؤكد هو أن الحادثة غيرت سياسة الولايات المتحدة والعالم، ومع أن الوثائق “التي أصدرها” بايدن لن تفيد كثيرا، فإن الرواية الرسمية تبقى موضع شك، ويستمر الأميركيون -عن حق- في الاعتقاد أنه لم يتم إخبارهم بالحقيقة -وفق الكاتب- خصوصا أن ما أفرج عنه بايدن من وثائق تافه أو عديم الفائدة في البحث عن الحقيقة في قضية استمرت 60 عاما، وكانت موضوع عدد كبير من التقارير الرسمية وعشرات التحقيقات المستقلة، وفقا للكاتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات