كيف تؤثر مضادات الاكتئاب على التطور العصبي للأجنة؟

يمكن لفترة الحمل أن تكون فترة توتر وتقلب في المزاج شديدين، إذ تشير الأبحاث إلى أن 7% من النساء الحوامل يصبن بالاكتئاب أثناء الحمل، وقد تكون المعدلات أعلى في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وتصبح النساء الحوامل أكثر تحفظًا وقلقًا حول الأدوية والعقاقير التي يتناولنها أثناء الحمل، خوفًا من الآثار الجانبية على الجنين.

وتعتبر بعض أدوية الاكتئاب خيارا آمنا لإدارة الاكتئاب لدى النساء الحوامل، على الرغم من وجود بعض الأدلة على أنها يمكن أن تزيد من فرص الولادة المبكرة بالإضافة إلى زيادة مخاطر المشكلات العصبية وغيرها من المشكلات الصحية لدى الأطفال.

وفي هذا السياق، أشارت دراسة حديثة نشرها باحثون من كلية طب جامعة فيرجينيا (University of Virginia Health System) الأميركية بتاريخ 20 ديسمبر/كانون الأول الجاري، إلى أن استخدام مضادات الاكتئاب أثناء الحمل قد يتحد مع الالتهاب لزيادة مخاطر إصابة المولود بتغيرات في التطور والنمو العصبي، مثل تلك المرتبطة بالتوحد.

هل مضادات الاكتئاب آمنة للحوامل؟

تُستخدم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) بشكل شائع أثناء الحمل، حيث يتم وصفها لـ80% من النساء الحوامل اللاتي يحتجن إلى أدوية الاكتئاب. وقد وجد الفريق البحثي أن هذه العقاقير يمكن أن تتفاعل بقوة مع الالتهاب الذي تتعرض له الأم بسبب حدوث عدوى فيروسية.

يقول جون لوكنز، أستاذ مساعد بقسم علوم الأعصاب، بمركز مناعة الدماغ والخلايا الدبقية بكلية الطب في جامعة فيرجينيا الأميركية، والباحث المشرف على الدراسة في تصريحاته للجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني، “وجدنا أن العلاج بمثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية أثناء الحمل والتعرض للالتهاب الناجم عن الفيروسات في نفس الوقت يؤثر بشدة على المسارات التي تشارك في نمو دماغ الجنين”.

ووفقا لنتائج الدراسة، فقد تسبب هذا التفاعل في حدوث تغيرات ضارة في المشيمة والغشاء الساقط -الاتصال الجسدي بين الأم والطفل- وأثر على نمو الدماغ في نموذج من فئران التجارب يستخدم على نطاق واسع كأداة بحثية في أبحاث التوحد.

وأفاد البيان الصحفي الصادر عن جامعة فيرجينيا والمنشور على موقع “يوريك ألرت” (EurekAlert) بأن نتائج الدراسة قد تساعد في تفسير ارتفاع معدل انتشار التوحد على مدار العشرين عاما الماضية، وذلك بالتزامن مع انتشار استخدام مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية على نطاق واسع في العالم النامي.

ما مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية؟

تستخدم مثبطات استرداد السيروتونين المضادة للاكتئاب في تخفيف أعراضه، مثل الشعور بالتهيج والحزن، عن طريق التأثير على المركبات الكيميائية المستخدمة للتواصل بين خلايا المخ المعروفة باسم “الناقلات العصبية”.

ومثل معظم مضادات الاكتئاب، تعمل مثبطات استرداد السيروتونين على إحداث تغييرات في كيمياء الدماغ، حيث تعيق مثبطات استرداد السيروتونين إعادة امتصاص الناقل العصبي السيروتونين، وبالتالي تغير مستواه في الجسم.

ويعتبر السيروتونين منظما مهما للمزاج، ويمنح الشعور بالرضا، وهو أحد الهرمونات المعروفة باسم “هرمونات السعادة”، كما يعمل السيروتونين كمنظم حيوي للاستجابة المناعية للجسم، وتتلقى الأجنة السيروتونين فقط من أمهاتهم عبر المشيمة في المراحل المبكرة من الحمل، لذا فإن اضطراب مستويات السيروتونين لدى الأم قد تكون له عواقب على الطفل أيضا، يقول لوكنز “يمكن أن يؤثر السيروتونين على العمليات المختلفة اللازمة للنمو السليم لدماغ الجنين ووظائفه”.

مناعة الأم أثناء الحمل

وقد أظهرت الدراسات السابقة أن العدوى واضطرابات المناعة الذاتية والحالات الأخرى التي تغير الحالة المناعية للأم أثناء الحمل يمكن أن تؤثر على النمو العصبي للجنين، ويعتقد الباحثون أن مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية قد تتفاعل مع هذا الالتهاب وتضخمه، مما يؤدي إلى تغييرات دائمة في الدماغ.

ووجد الباحثون أن مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية يمكن أن تتفاعل مع الجهاز المناعي للأم لإنتاج تفاعل التهابي قوي في الصلة الجسدية بين الأم وجنينها أثناء الحمل. وأظهر نسل الأمهات اللواتي تعرضن للالتهاب أثناء الحمل تغيرات سلوكية كتلك التي تظهر لدى الأشخاص المصابين بالتوحد، مثل ضعف التواصل وانخفاض الاهتمام بالتفاعلات الاجتماعية.

وحدد الباحثون إشارات التهابية في المشيمة ترتبط بالتغيرات العصبية التي تحدث لأبناء الأمهات اللاتي واجهن تحديا مناعيا أثناء الحمل. ويمكن استخدام هذه الإشارات للمساعدة في تحديد المؤشرات الحيوية التي يمكن استهدافها علاجيا للمساعدة في التخفيف من عواقب الضغوط البيئية التي يتعرض لها الجنين قبل الولادة وتأثيرها على النمو العصبي.

نصائح للسيدات الحوامل

وقد أشار الباحثون إلى أن عدم علاج اكتئاب وقلق الأمهات يمكن أن يؤدي إلى اضطراب النمو العصبي للنسل، كما أن مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية هي أدوات مهمة لإدارة الاكتئاب، وشددوا على أن النساء الحوامل يجب ألا يتوقفن عن تناولها دون استشارة أطبائهن، وأنه من المهم النظر في الفوائد النسبية والعواقب المحتملة لمثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية كخيار علاجي أثناء الحمل.

وينصح لوكنز السيدات الحوامل باتباع نمط الحياة الذي يعزز الصحة العامة ويحد من الالتهابات، مثل الحرص على نيل قسط وافر من النوم، وتناول طعام صحي، وممارسة الرياضة، والحد من التوتر والتعرض لمسببات الأمراض، ويقول “من المهم للأمهات الحوامل التشاور مع أطبائهن حول ما إذا كان يجب عليهن البقاء على مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية أثناء الحمل”.

يقول لوكنز “بالنسبة لأولئك الأفراد الذين عانوا من نوبات شديدة من المرض العقلي في الماضي، قد يكون من الأفضل لصحتهم وصحة أطفالهم الاستمرار في تناول مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية أثناء الحمل أو الاستعانة بالممارسات الأخرى التي تعزز الصحة العقلية مثل العلاج بالحوار والتأمل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات