كتاب “الجيش والسياسة في سورية”.. كيف ومتى بدأ صراع الساسة والعسكر؟

يصدر قريبا عن دار ميسلون للثقافة والنشر والترجمة كتاب “الجيش والسياسة في سورية (من 1946 إلى 1963).. التحالفات والصراعات والتصفيات” للباحثة السورية خلود الزغير.

ويحفر الكتاب عميقا في العلاقة بين المؤسستين السياسية والعسكرية في سوريا خلال فترة حساسة من تاريخ البلاد، تمتد منذ جلاء القوات الفرنسية (1946) وحتى انقلاب الثامن من مارس/آذار وتسلم حزب البعث زمام السلطة في البلاد (1963).

ويتتبع البحث جذور العلاقة بين الحقل السياسي -بما يشمله من مؤسسات وأحزاب وزعماء في السلطة والمعارضة- والحقل العسكري ممثلا في ضباط الجيش وتكتلاته، بهدف تأسيس نقطة تلاق بين الدراسات السياسية والتاريخية والمذكرات والأرشيف.

وتستند الباحثة في كتابها إلى مصادر نوعية كالوثائق والمذكرات وخطابات رجال السياسة والعسكر آنذاك، إلى جانب مجموعة من الدراسات التي تناولت العلاقة بين الحقلَين السياسي والعسكري في سوريا خلال تلك المرحلة، كأعمال المؤرخ هاشم عثمان، والباحث السياسي والاقتصادي كمال ديب، والمستشرق الهولندي نيكولاس فاندام وغيرهم.

وترصد الباحثة في كتابها الأثر الذي خلفته مرحلة الاستعمار الفرنسي (1920-1946) في تشكيل مؤسستي الجيش والسياسة في سوريا، من خلال تحليل طبيعة العلاقة بين المؤسستين في مرحلة ما بعد الاستقلال، وتحليل أنواع النخب السياسية التي تصدرت المشهد السياسي في البلاد، وتسليط الضوء على طبيعة الانقسامات الأيديولوجية والسياسية في المؤسسة العسكرية في تلك الحقبة.

وتعتمد الباحثة في دراستها على مقاربة سياسية واجتماعية واقتصادية لبنية النخب السياسية وخطاباتها، ونمط ممارساتها عبر ربطها بالسياقات التاريخية الداخلية والخارجية في آن واحد، وبالاستناد إلى الوثائق والمذكرات والخطابات التي سمحت بربط القراءة التاريخية والسياسية والاجتماعية للباحثين في هذه المرحلة مع القراءات الشخصية للفاعلين أيضا، مما ساعد على إبراز دور الفاعلين في الحوادث، والسماح بفهم أفضل لخياراتهم.

أثر الاستعمار على المشهد السياسي ما بعد الاستقلال

تستهل خلود الزغير القسم الأول من كتابها بتشريح مفصل لبنية النخب السياسية والعسكرية في الساحة السورية في مرحلة ما بعد الاستقلال، ثم وضع تلك النخب في الإطار التاريخي والثقافي الذي نشأت فيه.

ثم تنتقل الباحثة لتتبع جذور العلاقة بين المؤسسة السياسية -بما تشمله من أحزاب في السلطة والمعارضة- والمؤسسة العسكرية بأبرز ضباطها المؤثرين على المشهد السياسي آنذاك؛ بهدف فهم الخيارات الأيديولوجية والسياسية لهذه النخب، وما توالد عنها لاحقا من صراعات وتحالفات.

وتقسّم الزغير النخب السياسية السورية في تلك المرحلة إلى 3 أقسام: أولا “الكتلة الوطنية” التي كانت على رأس الحكم في البلد، التي انقسمت لاحقا إلى حزبين: الحزب الوطني وحزب الشعب، وثانيا “النخب الأيديولوجية الصاعدة” متمثلة في عصبة العمل القومي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب السوري القومي الاجتماعي، والحزب الشيوعي، والإخوان المسلمين، وأخيرا النخب العسكرية.

وفي سياق محاولتها الكشف عن الإطار التاريخي التي نشأت فيه هذه النخب، خلصت الباحثة إلى تقسيم النخب العسكرية إلى جيلين: جيل ما قبل الاستقلال والذي تشكل في إطار المؤسسة العسكرية الفرنسية، وآخر تشكل بعد الاستقلال في مؤسسة عسكرية وطنية.

وعن الدور الذي لعبته قوات الانتداب الفرنسي وسياساتها في تشكيل الجيش السوري، تقول الزغير: إن نواة الجيش السوري بعد الاستقلال تأسست مما كان يعرف بـ”القوات الخاصة للشرق”، وذلك عقب موافقة الفرنسيين على تسليم القوات المسلحة والدرك للسلطات السورية في الأول من أغسطس/آب 1945″.

وتضيف الباحثة في حديثها للجزيرة نت أن “هذه القوات الخاصة للشرق، التي تألفت من المتطوعين من جميع الفئات والمجموعات السكانية، عكست إستراتيجية التجنيد فيها السياسات الفرنسية القائمة على التوغل داخل المجموعات السكانية الطائفية والأقوامية والتلاعب السياسي بانقساماتها، وتحفيز بعضها ضد الآخر وفقا لأولويات فرنسا ومصالحها ولما عدته تهديدا سياسيا لسيطرتها آنذاك”.

وتتابع “ومن جهة ثانية اعتمد الفرنسيون على إحداث توازن في التمثيل بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية، وهو ما جعل تمثيل بعض الجماعات السكانية أو الطوائف يزداد في المناصب السياسية وسلك الضباط، في حين أن الآخر يهيمن على الجيش أو الشرطة”.

وتركت هذه السياسات لقوات الانتداب الفرنسي في سوريا أثرها على تشكيل مؤسسة الجيش بعد الاستقلال من جهة، وعلى العلاقة “التنافسية والتصادمية” بينها وبين مؤسسة السياسة من جهة أخرى.

كيف قاد العسكر أكبر تغيير سياسي واجتماعي في سوريا؟

في القسم الثاني من الكتاب، ترصد الباحثة الانقسامات التي أصابت هذه النخب بشأن قضايا داخلية كالمسألة الاجتماعية والفلاحية، والفساد، وتوزيع الثروة، والنظام الجمهوري، ودعم الجيش، وبشأن قضايا خارجية كان أهمها الخلاف على نمط الوحدة المنشودة، والتدخلات والمؤامرات الخارجية، والتعاون مع المحاور الإقليمية والدولية ذات المصالح في سوريا.

إذ تمكنت النخبة العسكرية التي قامت بسلسلة من الانقلابات منذ أواخر الأربعينيات وحتى منتصف الخمسينيات من قيادة البلاد نحو تغيير اجتماعي سياسي من خلال تصدير نفسها للشعب كنخب تقدمية تقف في مواجهة الرجعية، وتسعى إلى القضاء على الإقطاع والفساد، وإلى قيادة “مواجهة ناجحة” مع الكيان الإسرائيلي.

وفي السياق، تشير الباحثة في حديثها للجزيرة نت إلى أن الحركات الانقلابية في الخمسينيات والستينيات كانت تقدم نفسها “كحركات ثورية، وذلك من ناحية أن الأنظمة القديمة قد أُزيلت، كما أن الطبقات الاجتماعية الداعمة لها شهدت تدميرا لقواعدها الاقتصادية بفعل سياسات الإصلاح الزراعي والتأميم”.

وتضيف “كما شكل النموذج التركي والمصري للحكم العسكري مصدر إلهام واقتداء لقادة الانقلابات، لذلك لم ينظر العسكر إلى حركاتهم الانقلابية كاعتداء على السلطة، بل وجدوا فيها حركات تحديثية وتقدمية تهدف إلى إصلاح القوانين للانتقال نحو بناء الدولة الحديثة. وهو ما تشهد عليه التعديلات الدستورية والقوانين المدنية والجنائية والتجارية العصرية التي صدرت في عهد كل من حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي”.

وتتابع الزغير “وبعد الستينيات تصدرت اللجنة العسكرية التي تنتمي إلى الريف المشهدَ السوري، ومن ثم بدأت طبقة الفلاحين تتوسع ويزداد تأثيرها أمام الطبقة المدينية؛ فانتقل مركز القوة من المدينة إلى الريف تحت شعار الاشتراكية منذ عام 1963، لكنه لم يفض إلى تشارك الثروة، بل إلى تمركزها بيد القلة الحاكمة”.

تاريخ الانقسامات

ومع أن الصراع بين المؤسستين السياسية والعسكرية تصدر المشهد السياسي في سوريا منذ الأربعينيات، إلا أن الباحثة تؤكد أنه يعود بجذوره لإشكالية التداخل بين الحقلين السياسي والعسكري منذ الثلاثينيات، وهو ما خلق نوعا من “ازدواجية الحكم”، كما ساهمت ممارسات الإقصاء والاستبعاد والتصفية بين الأحزاب السياسية، وفي صفوف الحزب الواحد، وبين المدنيين والعسكر، وبين العسكر أنفسهم، في تفتيت وإضعاف كلا المؤسستين. وهو موضوع القسم الثالث من الكتاب.

وخلصت الباحثة إلى أن صراع العسكر فيما بينهم جاء على مرحلتين وفي شكلين؛ فالمرحلة الأولى كانت في فترة الأربعينيات والخمسينيات، وكان الصراع فيها بين كتل الجيش صراعا سياسيا أيديولوجيا يتقاطع أحيانا مع طموحات شخصية وسلطوية، ويعكس التنوع السياسي والأيديولوجي السائد في الساحة السياسية المحلية والعالمية.

وعن هذه المرحلة تقول الزغير “لقد استثمر العسكر في الطبقة السياسية لبناء تحالفات والوصول للسلطة، وفي الوقت نفسه قامت الطبقة السياسية بدورها بتوظيف عناصر عسكرية في صراعاتهم السياسية والأيديولوجية لخدمة مصالحها أيضا”.

أما المرحلة الثانية فكانت في فترة الستينيات، واتخذ فيها الصراع طابعا شخصيا ومصلحيا بين “رفاق السلاح” و”رفاق الحزب”، “إذ إنه كان صراعا مدفوعا بطموحات شخصية وسلطوية، يتقاطع أحيانا مع مشروعٍ سياسي اقتصادي، وتغلفه وتدعمه وتغذيه الاختلافات الأيديولوجية والطائفية والإقليمية”، كما توضح الباحثة في حديثها للجزيرة نت.

وفي هذه الفترة بدأ العسكر بتشكيل ما سمي بـ”الجيش العقائدي” الذي مَوَّه في البداية الصراعات والانقسامات بين جماعة صلاح جديد ومحمد عمران وحافظ الأسد، وأصبح الجيش يشكل دعامة محورية للنظام السياسي، والذي أصبح بدوره عبارة عن تزاوج أو تعايش “حزب-جيش” وليس مجرد حكم عسكري.

كيف حافظ الأسد الأب على السلطة في عصر الانقلابات؟

تمكن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، بعد وصوله إلى سدة الحكم في عام 1970، من الحفاظ للمرة الأولى على استقرار الحكم بعد سنوات طويلة من الصراعات والانقلابات المتتالية، لكن في المقابل توقفت الحياة السياسة التعددية، وهو ما أعاق بناء دولة ديمقراطية حديثة.

وبحسب الباحثة، فقد لجأ الأسد الأب إلى عدد من الإجراءات والتكتيكات التي أسهمت في بقائه على رأس السلطة وإحكام قبضته على البلاد، وكان من أبرزها “زيادة الإنفاق العسكري، وزيادة الرقابة لمنع قيام أي انقلاب من خلال تعزيز القوات المسلحة المسيّسة والمسيطر عليها بعثيا، والترتيبات المشددة في مجالي الأمن والمخابرات. وأيضا من خلال اعتماد علاقات القرابة ودرجة الولاء للنظام الحاكم كمعيار للترقيات أو التصفيات”.

وتضيف “وثمة عامل آخر يذكره المؤرخ البريطاني روجيه أوين، وهو الشروع في تطبيق المفاهيم السوفياتية في مجال التنظيم والتكتيكات العسكرية، الذي أسهم في تمتين السيطرة على هيئة الضباط والحد من نطاق المبادرة لأولئك الذين يتولون قيادة القطاعات فعليا. كما سعت النخبة العسكرية لإدماج نفسها بفئات وبأطراف من طبقة التكنوقراط أو برجوازية الدولة والبرجوازية التجارية، ما يصعب على هذه الفئات التمرد على الوضع القائم”.

تبيّن الباحثة في ختام كتابها أنه منذ السبعينيات “تلاشى الخط الفاصل بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية من حيث كونهما مؤسستين متنافستين على السلطة ومختلفتين أيديولوجيا وطبقيا، كما كان الوضع بعد الاستقلال. إذ نجح الأسد في تثبيت حكم رئاسي قوي، وجعل مفاصل السلطة في يده حين تسلم قيادة مراكز السلطة الثلاثة في سوريا: الحزب كأمين عام له، وتعيين وعزل الحكومات، وقيادة القوات المسلحة والجيش الذي أصبح بعثيا”.

وهو ما قاد في النهاية إلى سيطرة مؤسسة الرئاسة المدعومة من التحالفات المدنية العسكرية، والأتباع والأقارب الذين تسلموا القيادات الأمنية والعسكرية، وكذلك من التحالف مع البرجوازية السنية المدينية وخاصة الدمشقية، على المجتمع بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات