كتاب “الأندلس تطواف بين زمنين” للعُماني سعود الحارثي.. هل تحن المدن وتشتاق؟

كثيرة هي الذكريات والمواقف التاريخية والصور والمآثر والصروح، التي يرويها ويرسم تفاصيلها الكاتب العماني، سعود بن على الحارثي، من خلال فصول كتابه “الأندلس تطواف بين زمنين”، والصادر حديثا في مسقط، (2022) عن مؤسسة لُبان.

يغوص “الحارثي” عبر صفحات كتابه في تاريخ الأندلس، ويطوف بين هذه المدن الأندلسية الساكنة على تخوم عالمين، ولا تستطيع التحرر من أحدهما، ثم يختتم تطوافه بالسؤال: تُرى هل تعاني تلك المدن من وجع الحنين إلى الماضي؟ وهل تشتاق إلى ملوكها العظام، وشعرائها وأدبائها الذين تغنوا عشقا بوطن الجمال والفن والإبداع؟

ويستعرض الكتاب الكثير من الثوابت والمحطات المهمة في تاريخ الأندلس، بداية من قيام طارق بن زياد بفتح تلك البلاد، وتمكنه من إنهاء حكم القوط الغربيين في إسبانيا، والاندفاع بكامل جيشه نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، ورفع راية الإسلام في القارة الأوروبية لأول مرة.

ويتناول تلك الأسرار التي كشفتها الأيام للأجيال المسلمة تباعًا، وكيف انطلق القائد العسكري الفذ، طارق بن زياد، لضم بلاد جديدة للحضارة والدولة الإسلامية، ودعوة أقوام وشعوب أعجمية للدخول في الإسلام، محققا الانتصارات والأمجاد، وكان بجانب تلك الغايات العظيمة يمهد السبيل، ويسهل الوعر أمام آخر السلالة الأموية الحاكمة في دمشق لتصبح بلاد الأندلس امتدادا ومركزا لخلافة الأمويين، لتستقبل وتحتضن بعدها بـ3 عقود (صقر قريش)، عبد الرحمن بن معاوية بن عبد الملك الذي أسس الدولة الأموية في الأندلس وحكمها هو وخلفاؤه لـ3 قرون.

ذكريات ومآثر وصروح

كما يتحدث الكتاب عن أعظم ما تحتضنه بلاد الأندلس من ذكريات ومواقف وصور ومآثر وصروح وتاريخ ذهبي لعصر إسلامي مجيد مشرف، يبهج القلب ويفخر به العربي والمسلم على السواء.

فهو يتحدث أيضا عن إخفاقات وخيانات ومخاز ومآس مؤلمة ومؤسفة تحزن وتؤلم وتوجع في آن واحد، ودروس عميقة يرى المؤلف أنه لم تتم الاستفادة منها عبر التاريخ منذ أن تحوّلت ممالك الأندلس الإسلامية إلى ألعوبة بيد ملوك الطوائف.

ويحكي كيف تحوّلت الأندلس من حاضرة من حواضر الحضارة الإسلامية، إلى مسرح لسقوط، وانشطارات وتمزقات، وفتن وتعصبات مقيتة تهدم وتدمر البشر والأرض والقيم والحضارة والإرث العلمي والعمراني المنجز، وصراعات وحروب أهلية، وملوك طوائف يتناسلون ويتوارثون الممالك العربية والإسلامية، وضعف يؤدي إلى ضعف وانحطاط أسوأ وأشد وأعمق.

وتروي صفحات الكتاب كيف عبر طارق بن زياد مضيق جبل طارق وسلم بذلك الفتح الكبير مفاتيح أوروبا للعرب والمسلمين، وليس إسبانيا وحدها لكي يواصلوا المسيرة، وأقام صقر قريش بعده بعدة عقود مملكة إسلامية في الأندلس مركزها قرطبة أنارت سماء أوروبا بسراج العلم والمعرفة والحريات، فازدهرت الآداب والمدارس والجامعات، وأصبحت غرناطة وإشبيلية وقرطبة وبلنسية وطليطلة قبلة الرواد وطلبة العلم والمفكرين والأساتذة من كل أنحاء العالم، وكيف بلغت الأندلس في العصر الأموي أوج ازدهارها ورخائها ورفاهها في مختلف المجالات.

محطات تاريخية

ويواصل مؤلف كتاب “الأندلس تطواف بين زمنين”، سرد تفاصيل أبرز المحطات في تاريخ الأندلس، منذ أن فتح تلك البلاد القائد طارق بن زياد، وحتى يوم الثالث من شهر يناير/كانون الثاني عام 1492، حين امتطى أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الطوائف، صهوة جواده موليا ظهره (شطر قصر الحمراء الشهير) الذي شيده الملك المسلم محمد بن يوسف بن محمد بن الأحمر، متجها إلى منفاه، بعد أن سلم مفاتيح غرناطة لقائد الفرنجة (فردیناند)، منهيا بذلك حكم المسلمين لإسبانيا وإعادة القوط حكاما عليها.

ويُبيّنُ المؤلف كيف أن هذه الأحداث المتشابكة والمتباينة، رسمت تاريخ إسبانيا في عهدها الإسلامي وأبانت عن الكثير من الحقائق والدروس.

كما ألقى الضوء على عملية الإنقاذ التي قام بها المرابطون والموحدون، وهي العملية التي أخرت سقوط الممالك الإسلامية في إسبانيا، مرورًا بمعركة الزلاقة الكبيرة في 23 أكتوبر/تشرين الأول عام 1086ميلادية، بقيادة يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد، والتي كانت آخر إنجازات المسلمين في هذه البقاع، إذ سرعان ما تكبدوا هزيمة ثقيلة في عام 1212 حصرت الحكم الإسلامي في إسبانيا ضمن مملكة غرناطة الصغيرة، إلى أن سقطت غرناطة نفسها في عام 1492.

رحلة معاصرة

ولأن مَن سمع ليس كمَن رأى، ولا من قرأ في صفحات التاريخ كمن شاهد واطلع بأُم عينه، فقد حرص مؤلف كتاب “الأندلس تطواف بين زمنين”، على تضمين الكتاب تفاصيل رحلته إلى إسبانيا، وزيارته لمعالم الأندلس، تلك البقاع التي رثاها الشعراء والأدباء بدمع مدرار من الأحبار والصفحات وعيون وملاحم من الشعر والنصوص الأدبية.

وراح المؤلف سعود بن علي الحارثي، يسوق لنا الدوافع والمحفزات التي قادته إلى أرض الأندلس، وكيف تعمقت في داخله مشاعر الفرح والبهجة وهو في طريقه إلى المطار.

ويؤكد أن ذلك كله تعبير صادق عن استثنائية الرحلة، وعن المكانة التي تحتلها الأندلس (الفردوس المفقود) في القلوب، وعن الثراء الحضاري والفنون المعمارية الإسلامية الآسرة، وعن التنوع الثقافي الفريد والحياة المزدهرة التي استقطبت أمما وشعوبا، علماء وصناعا، مفكرين ومبدعين وفلاسفة، أطباء وفلكيين ورحالة، أدباء وشعراء وأساتذة في مختلف المجالات والتخصصات.

ويصف المؤلف بلاد الأندلس بأنها “الأرض التي عاش فيها العرب مع غيرهم من الأعراق والشعوب فاعلين ومؤثرين، منتجين ومبدعين، مدركين لقدراتهم وإمكاناتهم التي أهّلتهم ليكونوا سادة العالم فاستثمروها بما يخدم عقيدتهم ويصلح شؤون وأحوال الأمم والشعوب، متعايشين ومتسامحين ومؤمنين بقيم دينهم ومبادئه التي طبقوها على الأرض فعلا وممارسة فكانوا نموذجا إنسانيا فريدا في محيطهم العالمي من قبل أن يطبق هذا العالم نظمه الديمقراطية”.

نموذج لقيم الإسلام

واعتبر المؤلف أن “الحكم العربي الإسلامي في الأندلس، قدّم نموذجا لقيم الإسلام العظيمة، ونجاحا باهرا في ممارستها عمليا من خلال صور التعايش والتسامح وتقبل مختلف الأعراق والأديان والعقائد والثقافات، فشكل مجتمعا إنسانيا متكاملا متحابا متجانسا، وكان النظام السياسي الإسلامي -خلافة أم سلطانا أم ملكا- يحتفي في بلاطه بالوزراء الأكفاء والشعراء الكبار والعلماء والأطباء والمفكرين من مختلف الأعراق والأديان”.

ولفت إلى أن اليهود وجدوا في الأندلس متنفسا من الحرية لم يجدوه في تاريخهم القديم والحديث من التقدير والاحترام والعيش الكريم المحمي بتلك القيم السامية من كل المكدرات والمنغصات، في قصور الأندلس الشماء ومدارسها وجامعاتها الكثيفة وأفنانها الغناء، وجداول مائها الرقراق، وساحاتها الفسيحة، حيث نسجت الحياة ملاحم وبطولات، وأقامت مجالس علم وأدب ثرية بالحوارات والمناظرات الرفيعة للسادة المثقفين والأدباء والعلماء والمفكرين والساسة والقادة العظام الذين حووا من العلوم والآداب أطيبها وأعزها: ابن الفضل – ابن رشد – ابن الخطيب – ابن باجة – ابن عبد ربه وعقده الفريد – المجريطي – الزهراوي – ابن حزم – ابن البيطار – المنصور بن أبي عامر الذي “غزا في حياته 54 غزوة، لم يهزم أبدا في واحدة منها”.

ويحدثنا المؤلف عن سلسلة لا تنتهي من العلماء والأطباء والفلكيين والقادة والساسة الذين أبهروا العالم، ومثل كل واحد منهم مدرسة مستقلة لا تزال حتى اليوم تسقي طلبة العالم عبيرها، وقدمت للعالم عيون الشعر ورحيق المعرفة وروائع الفنون والهندسة المعمارية وجمال الصناعات والحرف، وقصص عشق لا مثيل لها، وذلك الشعر الغزلي الرقراق الذي تستسيغه وتتذوقه النفوس، وظل محفوظا موثقا في القلوب وتردده الألسن بلا انقطاع في كل زمان ومكان وبمختلف اللغات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات