كان الأقوى بالمنطقة قبل 2003.. هل ينجح السوداني في إعادة ترتيب جهاز المخابرات العراقي؟

ترك التحرك الأخير لرئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني -نحو جهاز المخابرات- انطباعا متباينا فيما إذا كانت قراراته بتغيير قيادات عليا بالجهاز استكمالا لسلسلة إقصاء فريق رئيس مجلس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي من مؤسسات الدولة، لاسيما الأمنية منها، أم أنها خطوة لمكافحة الفساد من خلال إجراء تقييم شامل لأداء جميع القيادات العاملة في قطاع الاستخبارات.

وكان جهاز المخابرات الوطني (INIS) قد تأسس عام 2004، بعد أن حلّ جهاز المخابرات العامة السابق في نظام ما قبل عام 2003 بقرار من الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر.

مهام ورؤساء الجهاز

تنحصر أبرز مهام جهاز المخابرات بجمع المعلومات وإدارة النشاطات الاستخبارية المتعلقة بمكافحة الإرهاب والتمرد والتجسس وما يُهدد الأمن القومي، وإنتاج المخدرات والاتجار بها، والجريمة المنظمة الخطرة، وحماية الآثار والموارد الطبيعية من التهريب والتخريب، وذلك بحسب ما ورد في الموقع الرسمي للجهاز على الشبكة العنكبوتية.

ولا يُعرف عن الجهاز أي معلومات عن عدد مُنتسبيه أو ضباطه أو الميزانية المالية المخصصة له، إذ لا تزال هكذا معلومات محط سرية تامة بين مسؤولي الصف الأول في الدولة العراقية.

وسجّل مراقبون للشأن العراقي تراجعا واضحا بأداء الجهاز، لاسيما فيما يتعلق بدوره الاستباقي في إبطال تحرّكات الجماعات المسلحة وصدّها قبل تنفيذ هجماتها، مثل الهجوم الذي استهدف قوات الشرطة الاتحادية بمحافظة كركوك (شمال) في 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي وأسفر عن مصرع 7 جنود وجرح آخرين.

ومنذ تأسيسه حتى اليوم، تولت 5 شخصيات رئاسة الجهاز، وهم محمد عبد الله الشهواني (2004 – 2009) وزهير الغرباوي (2009 – 2016) ومصطفى الكاظمي (2016 – 2020) وبات الأخير يدير الجهاز بالوكالة عندما أصبح رئيسا لمجلس الوزراء، ثم رائد جوحي عام 2022 الذي استمر بمنصبه بضعة أشهر إلى أن استقرّت عند السوداني بعد اختياره رئيسا لمجلس الوزراء، وقرر الإشراف عليه شخصيا.

تغييرات مفصلية

مع الأيام الأولى لتوليه المنصب، ألغى السوداني جميع القرارات والأوامر الديوانية والوزارية الصادرة عن حكومة تصريف الأعمال برئاسة الكاظمي، إذ شملت الحملة نحو 169 مسؤولا رفيعا، بمن فيهم مسؤولو مكتبه ومعظم مستشاريه، فضلا عن كبار القيادات الأمنية والعسكرية، وكان من أبرزهم رئيسا جهاز المخابرات والأمن الوطني، إذ وصفت أوساط قانونية ذلك التحرك بأنه “إقصاء سياسي” بغطاء قانوني.

وبحسب العرف السياسي السائد بعد 2003 فيما يتعلق بتوزيع المناصب بين الكتل السياسية، فإن منصب رئيس جهاز المخابرات ووزير الدفاع يكون من حصة القوى السياسية السنية، إلا أن ارتباط المنصب برئيس الوزراء حال دون ذلك.

حُسن الظن

التغييرات التي شهدتها الأجهزة الأمنية أثارت العديد من التحليلات، ففي رأي مؤيدٍ لخطوات السوداني، يُشدّد الأكاديمي والمحلل السياسي فاضل البدراني على ضرورة تنشيط وتجديد الدماء في جهاز الاستخبارات، معزّزا تأييده هذا بضرورة حسن الظن بخطوات السوداني وأن “إجراءاته سليمة تعتمد على شعار المهنية والاحترافية أساسا في عملية التغيير”.

تأييد البدراني خطوة السوداني ينطلق من أن بقاء أي قائد أمني أو عسكري بمنصبه لأكثر من 4 سنوات سيضعف أداءه وعطاءه تدريجيا، معلقا في حديثه للجزيرة نت بأن “عملية التجديد هي تغيير كل حالة من حالات الفساد أو التزوير والعنف السياسي والإرهاب والخروقات”.

ويتابع أن السوداني يتعرّض لضغوطات كبيرة من قبل بعض القوى السياسية المؤثرة التي تحاول استبدال بعض الشخصيات الأمنية والعسكرية بأخرى قد لا تكون مناسبة لشغل هذه المناصب، واصفا ذلك بـ “العقبة الوحيدة أمامه” لافتا إلى أن الكاظمي نجح في إدارة ملف المخابرات والاستخبارات على صعيد التنسيق مع الدول الخارجية بصورة أكبر بكثير من عمله في رئاسة الوزراء، بحسبه.

وفي ختام حديثه، أشار البدراني إلى “انتكاسة الكاظمي” عندما أسند مهام رئاسة جهاز المخابرات إلى مدير مكتبه رائد جوحي وفق ما وصفه بـ “المجاملة” كونه من السلك المدني ولا يستحق أن يتسنم هذا المنصب، بحسب تعبيره.

إقصاء وتنشيط

توجه السوداني الأخير صوب جهاز الاستخبارات -وإن كان خطوة يراد منها تطوير عمل الجهاز- إلا أن الخبير الأمني والعميد المتقاعد أعياد الطوفان لا يستبعد أن تكون سببا لإقصاء الفريق الذي عمل مع رئيس الوزراء السابق.

ويؤيد الطوفان ما يطرح بشأن تراجع دور الجهاز بعد عام 2003 بسبب المحاصصة الحزبية، إذ يقول إن “تدخل الأحزاب والسياسيين في عمل جهاز الاستخبارات ظهر واضحا في عمله، وأحدث خللا كبيرا، إذ تمّ نقل كفاءات عالية منه إلى القطاعات العسكرية الأخرى، مع تولي شخصيات ضعيفة مهام كبيرة في الجهاز، وهو ما أدى لفشله الذريع السنوات السابقة التي شهدت خروقات أمنية متكررة”.

مؤشرات عديدة

علاوة على ذلك، يرى العميد المتقاعد أن أيّ ضابط يمكنه شغل أي منصب عسكري آخر إلا العمل الاستخباري، عازيا ذلك بأن العمل الاستخباري يعد عملا فنيا تصقله الموهبة والخدمة والخبرة والتجارب والممارسة التدريجية، بحسب تعبيره.

ويُحمّل الطوفان الأطراف السياسية مسؤولية تراجع أداء الجهاز بعد 2003 من خلال ربط مديرية الاستخبارات العسكرية ومديرية الاستخبارات والأمن بمعاون رئيس أركان الجيش للعمليات، موضحا أن الأخير يتلقى أوامره بحسب المراجع العسكرية، وأن جميع الذين شغلوا منصب مدير الاستخبارات العسكرية لم يكونوا من صنف الاستخبارات ولم يعملوا في هذا المجال، بحسبه.

وفي حديثه للجزيرة نت، يستذكر الطوفان واحدة من أبرز النقاط التي زادت من قوّة جهاز الاستخبارات قبل 2003، والتي تتمثل بأنه كان يرتبط مباشرةً بسكرتير رئيس الجمهورية، وله السلطة في تقييم جميع القيادات المدنية والعسكرية ومن ضمنها وزير الدفاع، لافتا إلى أن الجهاز كان يحظى بمحكمة خاصة “محكمة 27” التي تحال إليها أوراق العقوبات وأنه لم يكن باستطاعة أحد التدخل بأعمالها.

مقترحات التطوير

من جهته، يؤكد -للجزيرة نت- وزير الداخلية الأسبق جواد البولاني ضرورة أن يضع السوداني يده على مكامن الخلل والسلبيات المتعلقة بعمل أجهزة الاستخبارات والمخابرات، وذلك من خلال اختيار قيادات نوعية قادرة على تحمل مسؤولية رفع كفاءة الجهاز والوصول به إلى الجاهزية الكاملة لدفع المخاطر عن البلاد.

ويقرّ البولاني -وهو نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية- أن الجهاز لم يأخذ فرصته الكاملة ولم يحظ بالاهتمام المطلوب في ظل النظام السياسي الحالي، داعيًا إلى اختيار كفاءات تتمتع بالذكاء والخبرة بالعمل الاستخباري على مستوى المنطقة، من أجل التعامل مع النظراء على مستوى العالم، فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وكبح جماح الجماعات المتطرفة.

ومن أجل تطوير قدرات الجهاز، يقترح البولاني تخصيص موازنة أكبر للجهاز، فضلاً عن ضرورة تطويرها فنيا وتقنيا، مع توسيع دائرة شراكات الجهاز مع العالم حتى يتمكن من وضع سياسة وقائية تُساهم في إيجاد فرص أكبر للعراق على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني.

التأثيرات الإقليمية

من جانبه يتفق الباحث السياسي إبراهيم الصميدعي مع السوداني بأن العمل الاستخباري نوعي وليس كميا، وأن التقييم المستمر للكوادر والقيادات الأمنية ظاهرة شائعة في كل دول العالم.

ويُؤشر المتحدث -الذي عمل ضابطا في السلك الأمني قبل عام 2003- إلى أن أحد أكثر الخصال السلبية على أداء الجهاز تتمثل باعتقاد الأحزاب السياسية والمقربين منها أن التوظيف والعمل بالجهاز الأمني يعد امتيازا لها ولعوائلها، لافتا إلى أن ذلك أدى لوجود فائض هائل في عدد العناصر المنتسبة لأجهزة الاستخبارات مقابل إنتاجية هامشية محدودة جدا، بحسب تعبيره.

وفي حديثه للجزيرة نت، يؤيد الصميدعي “ترشيق” الأجهزة الاستخباراتية مقابل تطوير قدراتها وزيادة الكفاءة والتدريب والمخصصات، مع التقييم المستمر للكثير من القيادات الأمنية، لاسيما التي عليها ملاحظات فساد.

ويصف موضوع جهاز المخابرات بـ “الحساس” الذي يستلزم أن يُراعى فيه ما بين الإشراف من قبل رئيس الوزراء وما بين العلاقات الدولية والإقليمية المؤثرة في المشهد العراقي، محذرا بالقول “إذا تمّ سحب الجهاز لأي دائرة أخرى، فإن ذلك سيتسبب بمشكلة كبيرة للوضع السياسي وللحكومة العراقية معا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات