إطلاق نار أو هجوم إرهابي؟ .. هكذا تكشف جريمة قتل الأكراد وجهًا عنصريًا لفرنسا

في تغطية أحداث جريمة قتل 3 أكراد في باريس الجمعة الماضية، تحرص الحكومة الفرنسية وإعلامها على استخدام مصطلحات “إطلاق نار” و”إطلاق نار مميت” بدل “هجوم إرهابي”. ويُرجعون ذلك إلى عدم تحديد المحاكم الحقائق في الوقت الحالي.

وعلى وقع التملص من التوصيف الحقيقي للحادثة رغم تصريح منفذها أنه “لطالما شعر بالرغبة في قتل مهاجرين أجانب”، انتقد بعض رواد منصات التواصل ما وصفوه بـ”الازدواجية وعدم الوضوح”، خاصة “عندما لا يكون الجاني المزعوم مهاجرًا، أو مسلمًا”.

تصنيف متغيّر

يقول المحامي الفرنسي غيوم مارتين في صفحته بموقع تويتر: “إن أدنى فعل يرتكبه رجل من أصول مهاجرة ومسلم يُوصف على أنه إرهابي”، مستنكرًا عدم تولي نيابة مكافحة الإرهاب قضية مقتل الأكراد.

من جانبه، كتب عضو البرلمان الأوروبي رافائيل جلوكسمان، في تغريدة عبر حسابه أن “الهجوم الإرهابي هو هجوم إرهابي، ويجب ألا يتغير تصنيف الجريمة وفقًا للدوافع العقائدية للمجرم الذي يرتكبها”، معبّرًا عن تضامنه مع الأكراد المتضررين من هذا الهجوم، وداعيًا إلى التشدّد في مواجهة العنصرية.

ويقول المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب جان فرانسوا ريكار: “عندما يكون الجاني عضوًا في منظمة إرهابية مثل: تنظيم الدولة الإسلامية، أو منظمة إيتا، يتم تصنيفها بسرعة وبسهولة من قبل المحاكم على أنها أعمال إرهابية، وهو ما حدث خلال أحداث شارلي إبدو (مجلة الكاركاتير الشهيرة)، أو اعتداءات 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015”.

وأضاف أن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون مرتكب الجريمة رجلًا واحدًا، مثل الهجوم على مسجد بايون في 2019، أو الهجوم على مقر شرطة باريس في العام نفسه.

إلا أن النيابة العامة أعلنت حينها أنها لا تنوي النظر في قضية المسجد الواقع في جنوب غرب فرنسا، كما أفاد مصدر قضائي أن تقييمًا نفسيا دلّ على أن منفذ الهجوم “يعاني من اضطرابات نفسية جعلته عاجزًا جزئيًا عن التمييز”.

أما في القضية الثانية، فقد تسلّمت النيابة ملف التحقيق، وقالت في بيانها إن “الهجوم تم بدوافع غامضة بوصفه اغتيالًا، ومحاولة اغتيال نفّذتها عصابة أشرار إرهابية وإجرامية، ما يعزّز فرضية تطرف المهاجم الذي اعتنق الإسلام قبل 18 شهرًا”.

عنصرية تصيب ربع سكان فرنسا

ويمثّل المهاجرون والأشخاص المولودون لأب مهاجر واحد على الأقل حوالي ربع سكان فرنسا اليوم. ووُلد 47.5٪ من هؤلاء في أفريقيا، وفق تقرير للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية نُشر في أغسطس/آب الماضي.

وقد تبعث هذه الأرقام على التفاؤل في بلد ينادي -دائمًا- بحقوق الإنسان ويدعو إلى “الحرية، والمساواة، والأخوة” كأهم مبادئه، لكن الواقع قد يكون بعيدًا -كذلك- عن كل هذه الشعارات.

وشهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا حادًا في مظاهر العنصرية التي أصبح الأجانب ضحاياها الوحيدين، وكذلك المواقف التمييزية التي لم يسلم منها أحد، سواء ممن يحاولون الحصول على إقامة في هذا البلد، أو حتى من يتولون مناصب عليا في الجمهورية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تعرّض النائب اليساري كارلوس مراتن بيلونغو إلى موقف عنصري أثار جدلًا واسعًا في البلاد بعد أن قاطعه اليميني المتطرف، غريغوار دي فورناس، قائلًا “عودوا إلى أفريقيا” عند إلقائه كلمة في البرلمان الفرنسي.

وفي حوار خاص للجزيرة نت، قال النائب بيلونغو إن “هذه الجملة العنصرية كانت موجّهة لي بشكل مباشر، فقد أصبح من الطبيعي تمامًا تلقّي مثل هذه الملاحظات، من قِبل بعض الأفراد المنتمين إلى الطبقة السياسية اليمينية المتطرفة”.

وأضاف “ما حصل يُظهر الوجه الحقيقي لأفكار التجمع الوطني، وقد كُشفت في وضح النهار فيما يتعلّق بمسألة الهجرة، خاصة في قضية قوارب البحر الأبيض المتوسط. إنهم عنصريون ويفتقرون إلى الإنسانية، وتضامنهم انتقائي”.

وبرأي النائب اليساري -المولود في فرنسا ومن أصول أفريقية- فإن الإعلام الفرنسي يأخذ وقته الكافي لتسويغ ما حدث كونه ليس جريمة، وإنما يمثّل رأيًا فقط.

وتابع بيلونغو “حتى عندما نشغل أعلى المناصب في البلاد، سنكون معرضين -دائمًا- لسلوك عنصري؛ لأن الحياة السياسية هي انعكاس لشرور مجتمعنا. وأنا أتفق مع جان لوك ميلينشون الذي كتب في تغريدة على تويتر إن التجمع الوطني يؤجّج الحرب الأهلية والعنصرية”.

وأشار النائب الشاب -البالغ من العمر 31 عامًا- إلى أن دي فورناس والسياسيين الآخرين يتجاهلون مبادئ الديمقراطية والمساواة، عندما يتعلّق الأمر بالمهاجرين؛ لأنهم يريدون “ديمقراطية فصل عنصري”. مؤكدًا “لن نستسلم لأننا سنواصل القتال، مثل: روزا باركس، الناشطة الأميركية من أصول أفريقية، والتي أشعلت فتيل أول احتجاج ضد الفصل العنصري في أميركا”.

وفي 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري، تجمّع العشرات من الشباب العنصريين خارج جامعة بوردو في محاولة للهجوم على النائب بيلونغو، قبل أن تتدخل الشرطة لإخراجه من الباب الخلفي لإنقاذ حياته.

العنصرية ومواقف “جلّاديها”

من العبارات العنصرية إلى الهجمات القاتلة، ومن كراهية الآخر إلى الممارسات التمييزية، ومن الخطاب العقائدي إلى شهادات عن “الإسلاموفيوبيا”.. كلها عناصر تندرج تحت مظلة السلوك العنصري والمعادي للأجانب في فرنسا.

وبين كل هذا وذاك، يعاني المهاجر -مهما ارتفعت مكانته في المجتمع- من وضع صعب وعداء علني في الشارع وعلى شاشات التلفزيون.

وعدّ رئيس جمعية “إس أو إس” (SOS) المناهضة للعنصرية، دومينيك سوبو، أن مقتل الأكراد الثلاثة يعكس مدى تأثير الفضاء الإعلامي والسياسي والفكري في فرنسا في بث الكراهية وانعدام الثقة بالأجانب، أو الأشخاص من أصول مهاجرة.

كما استنكر سوبو زيادة التهديدات اللفظية في خطاب القادة السياسيين، خاصة من اليمين المتطرف، ومنهم المرشح الرئاسي السابق إريك زمور.

وكان الحديث عن حالة المهاجرين بين عامي 1960 و1973 أمرًا ثانويًا، قبل أن تصبح العنصرية الموجهة إلى هذه الفئة قضية مركزية ارتقت إلى مرتبة القضايا الاجتماعية الكبرى، التي تأخذ حيزًا كبيرًا في البرامج التلفزيونية والانتخابية، وفق إدوارد ميلز عفيف في كتابه “العنصرية: لعنة المهاجرين”.

وكشف استطلاع رأي أجراه موقع “ستاتستا” المتخصص بالإحصاءات العالمية في يوليو/تموز الماضي، أن 23% من الفرنسيين المشاركين قالوا إنهم عنصريون، وهي نسبة أقل بمقدار نقطتين مقارنة بعام 2019.

إلا أن اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان في فرنسا ذكرت في تقريرها السنوي حول مكافحة العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب، الذي نُشر خلال الفترة نفسها (يوليو/تموز 2022)، أن النتائج لا تزال “مقلقة”، مشيرة إلى استمرار “الظواهر التمييزية”، بسبب الأصل أو الدين أو لون البشرة.

ماذا يقول القانون الفرنسي؟

لا يمكن وصف جريمة قتل شارع دينغين بباريس على أنها “هجوم”، اعتمادًا على المادة 412-1 من قانون العقوبات الفرنسي. وتشمل “أعمال العنف التي من المحتمل أن تعرّض مؤسسات الجمهورية للخطر، أو تقوّض سلامة التراب الوطني”.

من ناحية أخرى، تحدّد المادة 421-1 من قانون العقوبات الجرائم المتعلقة بالأعمال الإرهابية “عندما تكون على صلة عمدًا بمشروع فردي أو جماعي، يهدف إلى الإخلال الجسيم بالنظام العام من خلال الترهيب أو الإرهاب”.

وأوضح مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب لموقع “ميديا بارت” أن التوصيف الإرهابي للجريمة “ليس علمًا دقيقًا”، مشيرًا إلى أنه يتم تحليلها “من خلال دراسة كل حالة على حدة”، ووفق معايير مختلفة. بما في ذلك “دوافع وشخصية صاحب البلاغ، وحالته النفسية، وخطورة الفعل وطريقة تنفيذه، وما إذا كان ينتمي لجماعات إرهابية”.

لكن يبدو جليًا أن تعريف الجرائم الإرهابية في القانون الفرنسي ينطبق حسب طبيعة الجريمة ومنفذها، ومن ثم قد يكون مصير قضية قتل الأكراد الثلاثة كمصير منفّذ الهجوم على مسجد مدينة بايون، أي دون تحديد صفة قانونية أخرى، يكون فيها الإرهاب عنوانًا للملف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات