إسرائيل تغير سياستها تجاه روسيا.. تكتيك أم إستراتيجية؟ وما الأسباب؟

القدس المحتلة/موسكو- تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين عن تحول في سياسة تل أبيب تجاه موسكو، وتجلت أولى بوادر التغيير في الاتصال الهاتفي، مساء الثلاثاء، الذي جمع كوهين نظيره الروسي سيرغي لافروف، وهو أول اتصال من نوعه تجريه تل أبيب مع وزير روسي منذ اندلاع حرب موسكو على أوكرانيا أواخر فبراير/شباط 2022.

وناقش كوهين ولافروف سلسلة من القضايا الثنائية والإقليمية، ضمنها وضع الجالية اليهودية في روسيا، والمهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق في إسرائيل، وأهميتهم ودورهم لتعزيز العلاقات بين الطرفين.

وتطرق الوزيران إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، إذ نقل كوهين إلى لافروف رسالة من وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، حسب ما أفادت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية “كان”.

وألمح كوهين إلى أنه على عكس سلفه يائير لبيد، فإنه لن يدين روسيا علانية (بالنسبة لحرب أوكرانيا). وأضاف أنه يعتزم صياغة سياسة جديدة “مسؤولة” بشأن الحرب في أوكرانيا، وشدد على أن وزارته ستعد عرضا مفصلا للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) حول هذه المسألة.

ما سياسة إسرائيل التي تريد تغييرها تجاه روسيا؟

تتطلع الحكومة الإسرائيلية الجديدة لتكون وسيطا ما بين موسكو وكييف والغرب، وذلك لتطويق الحرب ومنع توسعها، وأيضا من أجل إظهار نوع من الدعم الدبلوماسي للرئيس فلاديمير بوتين، وتبديد التوتر مع الكرملين على خلفية أزمة الوكالة اليهودية والحد من نشاطها في موسكو.

وتهدف حكومة نتنياهو إلى تغيير الصورة النمطية عن إسرائيل لدى الكرملين حيال السياسة الحالية بأنها منحازة إلى كييف والإدارة الأميركية، وذلك بسبب السياسة التي اعتمدتها الحكومة الإسرائيلية السابقة بزعامة لبيد، والتي وجهت انتقادات شديدة اللهجة إلى موسكو واتهمتها بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا.

وعليه، فإن حكومة نتنياهو، وبحسب مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، ستعتمد سياسة جديدة تقضي بالحفاظ على علاقات جيدة ووطيدة مع روسيا بسبب مصالحها الإستراتيجية لتقويض النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، والحد من التموضع العسكري لطهران في سوريا، وضمان حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي بالأراضي السورية.

ما دوافع هذا التغيير؟ وأين إيران من معادلة السياسة الجديدة لتل أبيب؟

ترجح المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الدوافع، من وراء تغيير السياسة من حرب أوكرانيا، هي التعاون بين موسكو وطهران، والذي يهدف إلى تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط.

وعزا تقدير موقف بعنوان “تأثير وتداعيات التقارب بين روسيا وإيران على إسرائيل: الصرخة؟” -الصادر عن “معهد يروشاليم للإستراتيجية والأمن”- ذلك إلى وجود خطر من أن الدعاية الواسعة التي تحيط باستخدام الأسلحة الإيرانية في ساحة القتال بأوكرانيا قد تمنح طهران ثقة مفرطة تدفعها لرفع مستوى مواجهتها مع إسرائيل.

كما تخشى تل أبيب أن تنحاز موسكو لطهران مقابل الدعم العسكري الإيراني لروسيا في أوكرانيا، وذلك بكل ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وإمكانية العودة إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015، حيث تستغل روسيا المفاوضات لإحياء الاتفاق كورقة مساومة ضد القوى الأوروبية وأميركا.

هل تعد إيران الدافع الرئيس لهذا التغيير الإسرائيلي؟

بسبب دعمها لروسيا في ساحة المعركة بأوكرانيا، تتوقع سيما شاين رئيسة برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، حصول طهران على دعم من موسكو، على شكل مساعدة في بيع معدات عسكرية، وربما أيضا في سوريا، وجزئيا في المجال النووي أيضا، وهو أمر يجب أن يقلق إسرائيل.

وأوضحت شاين للجزيرة نت أن توطيد العلاقات بين روسيا وإيران له جوانب عسكرية واقتصادية، وعليه ترى أن الشأن الإيراني هو الدافع الرئيس لدى حكومة نتنياهو لتغيير السياسة إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، واعتماد “الدبلوماسية الذكية” بالامتناع عن إغضاب بوتين أو احتواء أي توترات ومنع صدامات مع واشنطن.

وشددت على أن إسرائيل مطالبة بأن تأخذ بعين الاعتبار المقابل الذي ستمنحه روسيا لإيران، سواء على المستوى العسكري التقليدي، وتموضع طهران في سوريا ونفوذها بالشرق الأوسط، وربما حتى غض الطرف عن تجاوزات إيران في برنامجها النووي، ونقل موسكو معلومات لطهران في المجال النووي.

كيف ستتعامل إسرائيل مع توتر علاقتها بأوكرانيا؟

قد تؤدي الحاجة إلى ضمان المصالح الإستراتيجية والأمن القومي الإسرائيلي بحكومة نتنياهو إلى الحفاظ على سياسة محايدة تجاه روسيا، وهي السياسة التي قد تؤدي إلى توترات مع الإدارة الأميركية ومع الدول الأوروبية والغربية.

لكن، إلى جانب التقارب مع روسيا، ستواصل إسرائيل تقديم الدعم العسكري المحدود والمساعدات الإنسانية لأوكرانيا لتجنب أي توتر مع كييف، إذ تحتاج تل أبيب -وفق شاين- إلى جمع معلومات استخباراتية حول استخدام روسيا للأسلحة الإيرانية، كما ستتعاون سرا مع أوكرانيا لجمع معلومات استخباراتية حول استخدام روسيا للأسلحة الإيرانية من أجل تحسين الإجراءات الدفاعية ضد استخدام الطائرات الإيرانية.

كيف تقرأ روسيا التصريحات الإسرائيلية الجديدة؟

لا يستبعد الخبير الروسي بشؤون الشرق الأوسط أندريه أونتيكوف حدوث تعديل في مواقف تل أبيب من الصراع الروسي الأوكراني، ويرى أن تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي قد تمهد لانفراج في العلاقات بين الطرفين، متوقعا أن تذهب الحكومة الإسرائيلية الجديدة نحو نموذج الإبقاء على مسافة واحدة من طرفي الحرب.

ويوضح أونتيكوف -للجزيرة نت- أن مواقف حكومة لبيد كانت نتائجها عكسية بالنسبة لتل أبيب، لجهة الإضرار بالتفاهمات الروسية الإسرائيلية حول ملفات المنطقة، وعلى رأسها الملفان الإيراني والسوري.

ولفت إلى أن إسرائيل شاركت في الحملة الغربية المناهضة لموسكو بسبب الحرب في أوكرانيا، وأعلنت دعما واضحا لكييف، لكنها لم تنضم إلى العقوبات الغربية على روسيا.

ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد “تبريدا” للملفات الخلافية بين موسكو وتل أبيب، ولكن ليس حلا لها، حسب رأي أونتيكوف.

ما الذي يمكن أن تقدمه موسكو لتل أبيب مقابل تعديل موقف الأخيرة من الحرب الأوكرانية؟

مع اندلاع الأزمة الأوكرانية، بدأت إسرائيل في الابتعاد عن خط الشراكة الإستراتيجية مع روسيا، واتخذت موقفا مناهضًا لها، مما تسبب بخطوات انتقامية من موسكو، كان ذروتها إغلاق مقر منظمات يهودية بمناطق مختلفة في روسيا.

وحسب أونتيكوف، فإن تحسن العلاقات بين الجانبين سيشمل العلاقات الثنائية المباشرة بينها، وكذلك الإبقاء على خطوط التواصل حيال ملفات إقليمية، أبرزها وأكثرها حساسية لتل أبيب هو الملف الإيراني.

ولكن العلاقات الروسية الإسرائيلية -يتابع المحلل الروسي- أصبحت في كل الأحوال أمام حقائق جديدة بسبب حالة الاصطفاف الجيوسياسي، وملامح التكتلات الدولية التي بدأت تتشكل كأحد تداعيات الحرب الأوكرانية، وعليه فإن مقاربة العلاقات الروسية الإسرائيلية ستكون محكومة بوقائع السياسة الدولية الجديدة.

كيف سيكون موقع إيران على خارطة التقارب الروسي الإسرائيلي لو تم؟

يرى مدير مركز التنبؤات السياسية -ومقره روسيا- دينيس كركودينوف أن القضية الرئيسية بالنسبة لإسرائيل ستكون الأسلحة الروسية المنقولة إلى إيران، بما في ذلك الطائرات المقاتلة.

ويتابع كركودينوف أنه رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد (نتنياهو) بذل الكثير من الجهد في السابق لتطوير العلاقات مع موسكو، وسيبحث حاليا عن أرضية مشتركة للتعاون معها، إلا أن موسكو مع ذلك لن تقوم باستبدال تقاربها مع إيران بتباعد إسرائيلي محتمل عن الولايات المتحدة.

ما أبرز ملفات التوتر المطروحة على طاولة البحث بين إسرائيل وروسيا؟

بحسب رأي كركودينوف فإن العلاقات مع روسيا بالنسبة لإسرائيل أحد شروط الأمن بالنسبة لتل أبيب في الملف السوري. وبفضل العلاقة الشخصية بين بوتين ونتنياهو، جرى حل عدد من القضايا الحساسة بسرعة إلى حد ما.

وحسب قول المحلل السياسي الروسي فإنه من الواضح أن الملفين السوري والإيراني سيوضعان مجددا على بساط البحث بين موسكو وتل أبيب، لكن يبقى السؤال عن الشكل الذي سيكون عليه التفاهم بينهما، والعوامل التي تؤثر فيه، على ضوء التقارب بين روسيا وإيران بالمجالين العسكري والأمني من جهة، والمكانة التي ستشغلها إسرائيل في مسلسل تدهور العلاقات بين موسكو والغرب من جهة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات