هدم مسجد تاريخي.. قائمة طويلة من سياسات الحكومة الهندية ضد المسلمين

نيودلهي- أثار قيام السلطات الهندية بهدم معظم مبنى المسجد الملكي “شاهي” التاريخي في مدينة “الله آباد”، بولاية أوتار براديش شمالي البلاد، سخطا جديدا في أوساط الأقلية المسلمة التي تواجه عنفا متصاعدا يشمل مساجدها ومنازلها ووجودها عامة.

وتقول المصادر المحلية إن السلطات في مدينة “الله آباد” شرعت الثلاثاء (9 يناير/كانون الثاني) في هدم المسجد الذي شيّد قبل نحو 5 قرون، بحجة توسعة الشارع العام. ووثق أستاذ هندوسي عمل سابقا مديرا لإدارة المياه باليونيسكو عملية الهدم ونشرها على مواقع التواصل.

ومدينة “الله آباد” بشمال الهند تم تغيير اسمها إلى “براياغ راج” في العام الماضي، وتربط المصادر الإسلامية ذلك بسياسة الحكومة الهندية الحالية الساعية لطمس التاريخ الإسلامي. وجاء ذلك ضمن حملة شملت مئات المدن والطرق التي تم تغيير أسمائها في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، من مسميات إسلامية إلى هندوسية.

أما مسجد “شاهي” التاريخي فيعود بناؤه إلى عهد الملك شير شاه سوري الذي حكم الهند خلال سنوات 1540-1545، وهو الذي بنى الطريق الممتد من بيشاور إلى داكا فى القرن الـ16 الميلادي وكان أطول طريق بري في العالم، ويربط الآن 3 دول هي باكستان والهند وبنغلاديش ويسمى “الطريق الرئيسي العظيم”.

مسجد تاريخي على أراضي دولة حديثة

بدأت قضية مسجد “شاهي” الواقع في منطقة هانديا بمدينة “الله آباد” حين أرادت إدارة الأشغال العامة بالمدينة هدمه لتوسعة الطريق وزعمت أنه مقام على “أراضي الدولة”، رغم إنشائه قبل قرون من تأسيس الحكومة الهندية الحديثة.

واستفادت إدارة الأشغال العامة في هدم المسجد من غياب الوثائق التي تؤكد هوية المباني الأثرية، رغم أنه محمي بمقتضى “قانون الحفاظ على أماكن العبادة” لسنة 1991، والذي قرر أن كل دور العبادة محمية حسب الوضع الذي وجدت عليه عند استقلال الهند سنة 1947.

وكانت لجنة المسجد قد رفعت قضية في المحكمة المحلية للولاية، وبالفعل حددت يوم 16 يناير/كانون الثاني الجاري للنظر في الملف، ولكن السلطات استبقتها بهدم المسجد قبل أسبوع.

وهُدم المسجد بحضور عدد كبير من قوات الأمن ومسؤولي إدارة الأشغال العامة في محاولة لمنع أي عرقلة أو احتجاج من مسلمي المنطقة.

بحجة “البناء غير المرخص”

بعد انتشار مقطع هدمه على مواقع التواصل، زعم أحد غلاة الهندوس على شبكات التواصل الاجتماعي أن حكومة الولاية هدمت المسجد لأنه كان يرفع العلم الباكستاني، بينما قالت المصادر الإسلامية إن “هذا ادعاء باطل” لأن المساجد والمزارات ترفع عموما أعلاما خضراء باعتبارها “علامة الإسلام”.

وتصاعدت في الأعوام الأخيرة سياسة هدم المباني “غير المرخصة” وشملت المسلمين خاصة، رغم امتلاك الهندوس أضعاف ما لدى المسلمين من عقارات “غير مرخصة”، وهو أمر شائع في البلاد حيث يبني الهنود مساكنهم على أراضٍ زراعية ثم تأتي الحكومة لاحقا فتسمح بترخيصها.

وقال كبير وزراء ولاية دلهي كيجري وال، قبل شهور، إن 70% من عقارات ولايته “غير مرخصة”، ومنها أحياء راقية لا يتعرض لها أحد.

أما كبير وزراء ولاية أوتارا براديش، ويدعى يوغي أديتيا ناث، وهو كاهن هندوسي من حزب الشعب الهندي ويُقال إنه مرشح لخلافة رئيس الوزراء مودي، فقد “بنى سمعته على استخدام البلدوزر”، كما يقول المسلمون في الولاية.

وبدأ ناث باستخدام الآليات الثقيلة قبل 3 سنوات لهدم بيوت المسلمين ومحالّهم، وأدى ذلك إلى موجة احتجاجات في أنحاء الهند، ومنها ولاية أوتارا براديش. وتزامنت هذه الأحداث مع احتجاجات شعبية عارمة ضد قانون استهدف نزع الجنسية الهندية عن ملايين المسلمين بحجة عدم امتلاكهم شهادات ميلاد وثانوية عامة أو شهادات ملكية للأراضي.

واشتهر يوغي أديتيا ناث باستهداف مباني المسلمين حتى سماه غُلاة الهندوس بـ”بلدوزر بابا”، واستخدم المعجبون به “البلدورز” مع صورة له خلال مظاهرة احتفالية في مدينة أديسون بولاية نيو جيرسى بالولايات المتحدة في أغسطس/آب الماضى، مما أثار أزمة هناك انتهت بتقديم منظمي المظاهرة اعتذارا.

الهدم بعد مظاهرات في أحياء المسلمين

وفي الأيام الأخيرة شهدت ولايات آسام ومادهيا براديش وأوتارا براديش وكرناتكا وكوجرات، وجميعها يحكمها حزب الشعب الهندي، حوادث هدم جماعية شملت عشرات المنازل والمتاجر التي يملكها مسلمون بحجة “عدم الترخيص”.

وبالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية والحملات ضد المسلمين، تنظم في ولايات هندية مظاهرات هندوسية صاخبة تصرّ على المرور عبر أحياء المسلمين رافعة شعارات مهينة للإسلام. وتقول المصادر الإسلامية إنها تهدف إلى تفجير اضطرابات تتدخل فيها الشرطة لمصلحة الهندوس، وبعدها يبدأ زج المسلمين في السجون وتعذيبهم، ثم هدم بيوتهم ومتاجرهم.

وكانت السلطات قد استعدت لهدم 4365 بيتا يسكنها نحو 50 ألف مسلم في ولاية أوتاراخاند في أوائل الشهر الجاري بحجة احتلالهم لأراضي مصلحة السكك الحديد، رغم أنهم يسكنون بها منذ نحو قرن ولديهم أوراق ملكية ثابتة. وتوقف الهدم قبل أيام فقط من تنفيده بعد أن تدخلت المحكمة العليا.

لكن حوادث الهدم الأخيرة امتدّت إلى 6 مدارس عربية إسلامية في ولاية كوجرات، ومدارس عربية إسلامية أخرى عديدة في ولايات أوتار براديش ومادهيا برايش وآسام في الشهور الأخيرة بحجة أنها “غير مرخصة”.

استهداف ممنهج

يواجه المسلمون استهدافا سياسيا واجتماعيا متصاعدا منذ تولي حكومة ناريندرا مودي، ويوصف أحيانا بأنه استهداف وتهميش غير مسبوق في تاريخ الهند. ولا يوجد وزير مسلم في الحكومة المركزية الحالية كما لا يوجد نواب مسلمون في صفوف الحزب الحاكم، وهو لم يحدث سابقا في تاريخ الهند المستقلة.

وتنهج حكومة مودي على مستوى الحكومة المركزية والولايات التي يحكمها حزبه سياسات عديدة تستهدف المسلمين خاصة، ومنها:

  • استهداف المساجد الأثرية: حيث أصبح اقتحام المساجد أو تحريك دعاوى تطالب بهدمها أو السيطرة عليها بدعوى أنها من بقايا معابد هندوسية هدمها المسلمون. وكانوا في البداية يطالبون بـ3 مساجد أحدها المسجد “البابري” الذي استولوا عليه بالفعل، ومسجد “عيد كاه” في مدينة ماتهورا، ومسجد “غيان وابي” بمدينة واراناسى. واتسعت القائمة إلى درجة أن مصادر إسلامية تحدثت عن 3 آلاف مسجد يطالب بها غلاة الهندوس في أنحاء البلاد، وتقبل المحاكم بهذه القضايا رغم وجود قانون يحمي دور العبادة على وضعها الذي وجدت عليه عند استقلال الهند سنة 1947.
  • إلغاء برنامج المنح الخاصة بالمسلمين لتشجيعهم على التعليم والذي بدأته الحكومة السابقة عقب صدور تقرير لجنة “ساتشار” سنة 2006 التي أثبتت أن المسلمين فى مؤخرة كل الفئات الهندية الأخرى من حيث التقدم والحصول على الخدمات.
  • أصبح منع الحجاب سياسة مستشرية وخصوصا في ولاية كرناتكا التي يحكمها حزب الشعب الهندي، وراجت مشاهد على نحو واسع العام الأخير منعت فيها فتيات مسلمات محجبات من دخول مدارسهن وكلياتهن. وأشار تقرير نشر أخيرا أن أعداد الفتيات المسلمات قد هبطت بنسبة 50% في المؤسسات التعليمية بهذه الولاية نتيجة تفضيلهن الحجاب.
  • حملات مستمرة على اللحم “الحلال” ويحرّم في مختلف المدن عند مجيء الأعياد الهندوسية، وهناك مطالبة حاليا بمنع اللحم الحلال بصورة مطلقة في ولاية كرناتكا.
  • بدأت حوادث قتل تستهدف المسلمين منذ مجيء حكومة مودي على خلفية ذبح البقر أو تناول لحمها، ويكفي مجرد الاتهام بذلك أحيانا للانقضاض على أحياء المسلمين وقتلهم أو حرق ممتلكاتهم وسرقة مواشيهم.
  • يجري الاعتداء على المسلمين في شوارع خالية أو في الحافلات والقطارات عند رفضهم ترديد تحية “جاي شرى رام” (يحيا الإله راما). وينشر الهندوس أنفسهم مشاهد مصورة للاعتداءات بغية ترويع المسلمين في أنحاء الهند.
  • أصدرت حكومة مودي قانونا جديدا في سنة 2019 يهدف إلى حرمان ملايين المسلمين من الجنسية الهندية، وقامت ضده مظاهرات واسعة استمرت شهورا وجعلت الحكومة تتراجع ولكن مع الإصرار على تنفيذ القانون بعد استقرار الأوضاع والتغلب على أزمة كورونا.

استعدادا للانتخابات

وتزداد وتيرة العداء تجاه مسلمي الهند الذين يعدّون 200 مليون نسمة، مع الاستعداد للانتخابات العامة التي ستجرى في مايو/أيار 2024، حيث يعمل حزب الشعب الهندي على استقطاب الأغلبية الهندوسية باعتباره محافظا على حقوقهم وآمالهم وملقنا الدروس لأعدائهم.

ويقول زعماء الحزب صراحة إنهم يعتنون بمصالح 80% (أي الهندوس)، ولا تهمهم مصالح 20% (أي الأقليات).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات