فيلم “يوميات نويل”.. ثلوج دافئة وقلوب باردة يجمعها الحنين

ارتبطت صورة الكاتب والأديب في السينما على مدى سنوات طويلة بالهدوء والحكمة والرومانسية، وفي أحيان كثيرة بالهشاشة والميل إلى الانسحاب من المجتمع للتفرغ للكتابة، لكن السنوات القليلة الماضية شهدت تحولا نحو صورة جديدة تعكس تغيرا جديدا في واقع الكاتب.

كانت الكتابة في نظر الجمهور في الماضي نوعا من الإلهام، وساد الاعتقاد دائما أنها فعل ذاتي تماما، لكن التحولات الفكرية والاجتماعية الثقافية أثبتت أن الكتابة تفاعل مع الواقع المحيط، وأنها مساحة بين الواقع والحلم بتغييره إلى الأفضل، لذلك تأتي الصورة الجديدة للكاتب في بعض الأفلام أقرب إلى نجوم السينما والمطربين، منها إلى الشخص القادم من وادي “عبقر” بقصيدة جديدة.

ويقدم فيلم “يوميات نويل” (The Noel Diary) للمخرج تشارلز شيير، والذي يعرض حاليا على شاشة نتفليكس، صورة لكاتب وحيد باختياره، لكنه وسيم ويصلح لدور فتى الشاشة، لا تربطه بالعالم المحيط سوى حفلات توقيع كتبه ورحلات الترويج لها.

يحمل ذلك الكاتب غضبا كبيرا من والده الذي تركه منذ أكثر من 30 عاما، بينما تقبع والدته المصابة بمرض عقلي في منزل الأسرة القديم حتى تموت، فيعود ليجد ذكرياته وذكريات الآخرين في انتظاره.

وعلى التوازي مع صورة الكاتب وأسرته التي انهارت في طفولته، ثمة قصة تتعلق بالمربية التي تولّت أمره في طفولته، والتي تحاول ابنتها الكشف عنها لمعرفة مصيرها، كي تتواصل معها.

شهرة عالمية غير مقصودة

فيلم “يوميات نويل” هو واحد من مجموعة كبيرة من الأعمال صنعت خصيصا لمشاركة الجمهور في الاحتفال بأعياد الميلاد أو “الكريسماس”، وقد انتهى منذ أقل من شهر عرض أفلام “الهالوين” التي تميزت بفكرة الرعب، أما أفلام “الكريسماس” فتدور في أغلبها حول التسامح والتصالح ولمّ شمل الأسرة.

واشتهر الكاتب الروائي الأميركي ريتشارد بول إيفانز، مؤلف الرواية التي أخذ عنها الفيلم، بكونه أستاذ أدب العطلات والإجازات، أما أشهر أعماله فهو ثلاثية “صندوق الكريسماس”، التي تدور في أجواء أعياد “الكريسماس” الغربية، وتروي قصة زوجين شابين يقبلان مهمة لرعاية أرملة وحيدة في قصرها الفيكتوري الفسيح، ومع اقتراب عيد الميلاد تشعر تلك الأرملة بالقلق من هوس الزوج الشاب بالنجاح وفشله في تخصيص الوقت لعائلته.

لم يكن الكاتب ريتشارد إيفانز يطمح إلى أكثر من نجاح محلي يجعله كاتبا ترفيهيا وكاتبا لأدب الأطفال، لكن ثلاثية “صندوق الكريسماس” دفعت بأعماله إلى الترجمة لأكثر من 24 لغة وبيعت منها نسخ يصل عددها إلى أكثر من 8 ملايين نسخة.

وإذا كانت أفلام “الكريسماس” تتميز بالخفة والبساطة باعتبارها أعمالا ترفيهية في مواسم لا تحتمل العمق، فإن “يوميات نويل” تميز بمساحة أشد عمقا من باقي أفلام “الكريسماس”، وهو أمر منطقي تماما يتسق وكونه مأخوذا عن أصل أدبي بالاسم نفسه لإيفانز.

تبدو الملامح الروائية في الفيلم واضحة في بناء الشخصيات الذي جاء متماسكا إلى حد كبير، وإن قدم الفيلم نماذج مبتورة للحكاية كانت بحاجة للتعبير بالصورة والمشهد.

ثمة حكايات تتعلق بتاريخ أسرة الكاتب جاك تيرنر، بطل العمل (الممثل جاستن هارتلي) في طفولته، ومصرع أخيه الأصغر، وكابوس الحزن الذي دفع بالأب (الممثل جيمس ريمار) إلى الهروب والأم إلى الجنون.

وهذه الحكايات جاءت على لسان الابن من جهة والأب من جهة أخرى وبعض الجيران، وهي ملامح بصرية مدهشة وشديدة التأثير، لكن يبدو أن المخرج فضّل صياغتها بالقص عبر الأشخاص، متأثرا بالحس الروائي، متناسيا أن ما يقدمه ليست رواية، بل هو فيلم مأخوذ عن رواية.

نجم وحيد

الكاتب جاك تيرنر ينتهي من رحلة ترويج أحدث رواياته، ثم يعود إلى وحدته، لكنه يتلقى خبر وفاة والدته التي تعيش وحدها بعد أن مات شقيقه ورحل الزوج، وما إن بلغ جاك الـ17 من عمره حتى ترك الأم المريضة بمرض عقلي ورحل أيضا.

حقق جاك نجاحات متوالية في الكتابة، وهي نجاحات غير معقولة لشخص يعيش وحيدا ويكتفي بالدراما التي عاشها قبل 30 عاما في منزل أسرته.

بعودته إلى منزل الأسرة لإنهاء ما يتعلق بميراثه من الأم الراحلة يجد أن هوس الادخار قد دفعها إلى الاحتفاظ بكل شيء تقريبا، حتى زجاجات المياه المعدنية الفارغة.

ثمة شابة تدعى ريتشيل (الممثلة باريت دوس) تقف في الجهة الأخرى من الشارع الذي يقع فيه منزله، وتتردد كثيرا قبل الحديث إليه، وفي النهاية تحاول التواصل معه، لكنه لا يقتنع ولا يهتم، وتعرض الفتاة مساعدته في إعادة ترتيب المنزل والتخلص من حصيلة مدخرات الأم عبر 30 عاما.

تجد الفتاة الشابة ضالتها، حيث تعثر على يوميات والدتها التي كانت مربية للكاتب جاك تيرنر حين كان طفلا. لقد جاءت الشابة لتبحث عن أمها التي تخلت عنها فور ولادتها وسلمتها لأسرة طيبة تبنّتها، لكنها تود أن تجد والدتها البيولوجية، وهي تشعر بحب كبير لها، وفي النهاية تكتشف أن الشخص الوحيد الذي يمكن أن يقودها إلى أمها هو والد جاك تيرنر، لكن جاك الذي قرر مقاطعة والده منذ سنوات طويلة يرفض في البداية.

وحدة المصير

تساقط الثلوج في مواقيت محددة مثل “الكريسماس” يعد جزءا من طقس الاحتفال، وقد نجح المخرج تشارلز شيير في تقديم أحداث قصته السينمائية بمجموعة رائعة من اللقطات الجميلة، استخدم خلالها لقطات عامة ومتوسطة أظهرت الثلوج التي تكسو الأرض وتعلو الأشجار كأنها غطاء من المشاعر الدافئة رغم البرودة المعروفة لهذه الأجواء.

استعرض الفيلم أجواء الطريق في رحلة قرر البطلان خوضها إلى أقصى الشمال لزيارة الأب، وهيمنت المشاهد التي يكسو مكوناتها اللون الأبيض، وتشع بمساحة لونية داكنة يقاومها انعكاس الأشعة القليلة المتسربة من مصابيح البيوت والشوارع على الثلج، فيبدو فيها الأبيض داكنا.

أثناء الرحلة تحاول الفتاة التعرف إلى جاك نويل، الكاتب الذي لم تكن تعرفه حين التقته، فتشتري واحدة من نسخ رواياته، وعندئذ تكتشف قدراته وتعرف أنه ناجح، وتصبح واحدة من المعجبين بإبداعه الأدبي، فضلا عن الإعجاب الشخصي الذي نشأ منذ البداية.

يتحد الخطان الدراميان للعمل أثناء الرحلة، فالكاتب الهارب من ماض قاس إلى الوحدة يلتقي الشابة الباحثة عن تفاصيل ماضيها، والكاتب الذي يرفض والده يلتقي الفتاة التي تبحث عن والدتها.

ثمة لقاء عاطفي ينشأ بين البطلين النقيضين في الرحلة، وحين يعرف الابن حقيقة والده وتعرف الفتاة الطريق إلى والدتها يعرف الشابان الطريق إلى بعضهما.

لم يسلم المخرج من مشكلات في البنية السردية، ولعل إحداها تلك التي استمر خلالها جاك تيرنر مع والده لساعات يناقشان مشكلات الماضي، بينما الفتاة المسكينة تقبع في السيارة في أجواء تصل برودتها إلى ما تحت الصفر بكثير، والواقع أن الأزمة هنا لا تتعلق بأنهما ينبغي أن يكونا كريمين بإدخالها إلى المنزل من باب اللياقة، وإنما بحمايتها من الموت بالتجمد وسط هذه الأجواء.

تتعامل أفلام موسم “الكريسماس” مع هذا العيد باعتباره موسم التسامح وحل المشكلات العائلية العالقة ولم الشمل، وهو طابع خاص بالغرب الذي يستقل فيه الفرد بعد بلوغه الـ18 من عمره في أغلب الحالات، ليصبح غريبا عن منزل أسرته، وتعود الأسرة إلى الأصل الذي بدأت به، وهو زوجان يقبعان في بيتهما وحدهما ولكنها عجوزان بلا أمل في مستقبل يحتوي أكثر من زيارة في مناسبة مثل “الكريسماس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات