باحث سياسي: آن أوان التساؤل بشأن الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا

أكد الباحث السياسي الفرنسي ريمي كارايول، في حوار مع مجلة “لوبس” (L’Obs) الفرنسية، أن الأوان آن للتساؤل بشأن الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا، منوها إلى أن تجربة الحرب في مالي ودول الساحل أظهرت ارتكاب أخطاء إستراتيجية أثرت سلبا على سمعة الجيش الفرنسي في المنطقة.

وقال كارايول إن حملة سيرفال العسكرية التي أطلقها الرئيس السابق فرانسوا هولاند في مالي عام 2013 حققت كل أهدافها، حيث تم “تشتيت الجهاديين”، ومنع تقسيم البلاد.

وأصدر ريمي كارايول حديثا كتابا مثيرا للجدل عن الحرب الفرنسية في مالي والساحل بعنوان “سراب الساحل” (Le Mirage Sahélien).

لكن بالمقابل، فإن توسيع تلك الحملة (حملت اسم باراخان) من مالي إلى الدول المجاورة -النيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا- قد قلب الأوضاع رأسا على عقب، حيث طال أمد الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة في ظل غياب أفق لتحقيق نصر حاسم، وتسبب ذلك الحضور في عرقلة الوصول إلى حل سياسي يخرج المنطقة من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.

نصر مستحيل

وقال ريمي إن طبيعة المقاتلين في مالي اختلفت أيضا، حيث بدأت العناصر المحلية تعوض القيادات الأجنبية، فأسهم ذلك في جلب تعاطف محلي لها، خاصة مع نجاح دعايتها القائمة على مناهضة الوجود العسكري الفرنسي، وفرضها الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرتها وهو ما كان يفتقده السكان المحليون الذين اضطروا إلى تأييد “التنظيمات الجهادية المسلحة”؛ بإرادتهم أو مرغمين.

وضع حوّل الحرب من مواجهة -لتنظيمات إرهابية مسلحة- إلى ما يشبه حربا أهلية يتقاتل فيها أبناء البلد، ويدعم الجيش الفرنسي الحكومة الرسمية، ليزداد الأمر تعقيدا في المنطقة ويصبح تحقيق النصر مستحيلا في هذه الحرب للجيش الفرنسي.

وأوضح كارايول في حواره مع “لوبس” أن الرئيس إيمانويل ماكرون تأكد بعد انتخابه في 2017 أن تحقيق النصر مستحيل في مالي، وكان يطلب فقط تحقيق نتائج نوعية لأجل الخروج من المنطقة، وهو ما دفع قيادات الجيش إلى تغيير إستراتيجيتها بالتحالف مع منظمات مسلحة محلية تعمل على محاربة “التنظيمات الجهادية”.

وحسب المحلل الفرنسي، فإن هذه الخطوة كانت كارثية، حيث إن تلك المنظمات المدعومة من فرنسا قامت بارتكاب جرائم كثيرة وثقتها هيئة الأمم المتحدة، مما زاد الوضع تعقيدا بالنسبة للجيش الفرنسي.

فكر استعماري

وكشف الخبير الفرنسي أن العلاقة بين الحملة العسكرية في منطقة الساحل وبين الفكر الاستعماري وثيقة، حيث إن الجيش الفرنسي -وعكس توقعات كثيرين- بنى تصوره للحملة العسكرية على مبدأ الجنرال الفرنسي ليوطي (1854-1934) الذي كان يرى أن الهدف من أي حملة عسكرية يجب ألا يتلخص في تدمير الخصم بالقوة الحاسمة، بل بإدامة الوجود الفرنسي في المنطقة عبر خلق مشاريع اقتصادية واجتماعية تحبّب الناس بفرنسا والفرنسيين، وتضمن حماية المصالح الفرنسية.

وقال كارايول إن هذا التصور فضلا عن أنه غير أخلاقي لارتباطه بالاحتلال وجرائمه في المنطقة، فهو غير واقعي، حيث إن الواقع في مالي وفي دول الساحل والصحراء تغيّر، وتعقدت أوضاعه الداخلية من جهة، وارتباطاته الخارجية من جهة أخرى.

وأكد ريمي أن الأوان آن لطرح التساؤلات الحقيقية حول الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا خاصة مع السمعة السيئة التي باتت ملتصقة بالجيش الفرنسي في المنطقة، لكنه شدد بالمقابل على أن البحث عن أي حلول وسط مع التنظيمات المسلحة لن تجدي نفعا، داعيا للتعامل معها على أنها تنظيمات إرهابية لا بد من القضاء عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات