التقيؤ طريقة دفاع أساسية لطرد السموم.. كيف تحدث؟

من خلال هذه الدراسة، يمكننا الآن فهم الآليات الجزيئية والخلوية للغثيان والقيء فهمًا أفضل، سيساعدنا على تطوير أدوية أفضل.

عندما نأكل طعاما ملوثا ببكتيريا يحتمل أن تكون ضارة، فإن التقيؤ هو طريقة دفاع أساسية للجسم لطرد السموم قسرا عن طريق الفم وأحيانا الأنف. ولإلقاء نظرة فاحصة على هذه العملية، تتبّع فريق من الباحثين عملية مماثلة في الفئران.

ووفق تقرير نشر على موقع “ساينس ألرت” (Science Alert) في 27 الشهر الجاري، فيمكن للخريطة التفصيلية الناتجة عن الدراسة التي نشرت تفاصيلها بدورية “سل” (Cell) أن تعلمنا المزيد عن كل من التسمم الغذائي والعلاج الكيميائي.

دراسة التهوّع في الفئران

من الغريب أن الفئران لا تتقيأ في الواقع، ربما لأنه بالمقارنة مع حجم أجسامها، فإن المريء طويل جدا وقوة العضلات ضعيفة جدا. ومع ذلك، فإنها تتهَوَّع (التهوع هو محاولة تقيؤ من دون قيء فعلي)، وهي علامة جيدة بما يكفي لفحص الإشارات البيولوجية وراء التسمم الغذائي.

ويقول عالم الأعصاب بينغ كاو، من المعهد الوطني للعلوم البيولوجية في بكين (National Institute of Biological Sciences in Beijing)، إن “الآلية العصبية للتهوع تشبه آلية القيء”.

وأضاف “في هذه التجربة، نجحنا في بناء نموذج لدراسة التهوع الناجم عن السموم في الفئران، والذي يمكننا من خلاله النظر في الاستجابات الدفاعية من الدماغ للسموم على المستويين الجزيئي والخلوي”.

وبعد إعطاء الفئران عينة من “السم المعوي العنقودي أ” (Staphylococcal Enterotoxin A) المعروف اختصارا بـ” إس إي إيه”(SEA)، وهو السم الأكثر شيوعا في التسمم الغذائي المرتبط ببكتيريا المكورات العنقودية (Staphylococcus aureus) ويؤدي إلى الإصابة بأمراض منقولة بالغذاء لدى البشر، لاحظ الباحثون فتح الفم على نطاق واسع بشكل غير عادي في الحيوانات، إضافة إلى تقلصات في عضلات البطن والحجاب الحاجز.

وبوضع العلامات الفلورية، تبين أن السم المعوي العنقودي ينشط إطلاق الناقل العصبي السيروتونين في الأمعاء. ويبدأ السيروتونين بعد ذلك عملية كيميائية ترسل رسالة على طول الأعصاب الرئيسة بين الأمعاء والدماغ إلى خلايا معينة تعرف باسم الخلايا العصبية (Tac1+DVC) في جذع الدماغ.

الآليات الجزيئية والخلوية للغثيان والقيء

يقول كاو “من خلال هذه الدراسة، يمكننا الآن فهم الآليات الجزيئية والخلوية للغثيان والقيء فهمًا أفضل، سيساعدنا على تطوير أدوية أفضل”.

فعندما تُعطل الخلايا العصبية (Tac1+DVC) بشكل مصطنع من قبل الباحثين، تقلل التهوع. وحدث الشيء نفسه مع الغثيان الناجم عن دواء دوكسوروبيسين، وهو دواء شائع للعلاج الكيميائي.

وعندما أوقف تشغيل الخلايا العصبية (Tac1+DVC) أو توقف إنتاج السيروتونين، كانت الفئران تتهوع أقل بكثير مقارنة بالمجموعة الضابطة من الفئران.

ووجد الباحثون أن الأنسجة المعوية المكونة مما يسمى بالخلايا المعوية أليفة الكروم (Enterochromaffin cells)، وهي نوع من أنواع الخلايا العصبية الصماء الموجودة في الغدد المعدية أسفل النسيج الطلائي، مسؤولة عن إطلاق السيروتونين في الأمعاء.

ما هي عملية التقيؤ؟

التقيؤ هو عملية طرد لمحتويات المعدة قسرا عن طريق الفم وأحيانا الأنف، وتكون مسبوقة بالتعرق وانخفاض ضغط الدم وازدياد في إفرازات اللعاب.

يبدأ التقيؤ من العمق ويتوقف الشخص عن التنفس، وينغلق كل من سقف الحلق والحنجرة وتسترخي العاصرة العلوية المريئية بينما يكون المريء والمعدة في حالة استرخاء، وتكون بوابة المعدة وقناتها في حالة انقباض، مع بدء انقباضات قوية لعضلات البطن.

وهناك أسباب عديدة ومتنوعة تؤدي إلى حدوث القيء؛ فقد يحدث كاستجابة محددة لمجموعة معينة من الحالات المرضية مثل التهاب المعدة أو التسمم الغذائي، أو كاستجابة غير محددة تعقب حدوث بعض الاضطرابات التي قد تشمل الأورام الدماغية وارتفاع الضغط داخل الجمجمة إلى التعرض المفرط للإشعاعات المؤينة.

ويصبح القيء خطيرا عندما يؤدي إلى دخول محتويات المعدة إلى المجرى التنفسي، وفي الظروف الطبيعية يقوم كل من رد الفعل البلعومي والسعال بمنع حدوث هذا الأمر، ومع ذلك فقد يتعرض الفرد للاختناق أو يعاني من الالتهاب الرئوي التنفسي.

ويسمى شعور الشخص عندما يكون على وشك القيء بالغثيان، وهو الشعور الذي غالبا ما يسبق القيء حتى إن لم يحدث. وتكون مضادات القيء في بعض الأوقات ضرورية لكبح الغثيان والقيء، وفي الحالات الشديدة التي قد يصاب الفرد فيها بالجفاف ويتطلب الأمر استخدام المحاليل الوريدية.

الدراسات المستقبلية

تشير النتائج إلى أن الجسم ينتج استجابات دفاعية لطرد السموم، ويمكن أن تبحث الدراسات المستقبلية في كيفية تفاعل هذه السموم مع الخلايا العصبية الصماء الموجودة في الغدد المعدية على وجه الخصوص لتحفيز عملية التقيؤ.

ويوضح عالم الأعصاب بينغ كاو أنه “إضافة إلى الجراثيم المنقولة بالغذاء، يواجه البشر كثيرا من مسببات الأمراض، وجسمنا مجهز بآليات مماثلة لطرد هذه المواد السامة”. ويضيف “على سبيل المثال، فالسعال هو محاولة أجسامنا لإزالة فيروس كورونا. إنه مجال بحث جديد ومثير حول كيفية استشعار الدماغ لوجود مسببات الأمراض وكيف تبدأ الاستجابات للتخلص منها”.

وعلى الرغم من ذلك، فما زالت هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات على البشر لتحديد مدى ملاءمة هذه النتائج المهمة للطبيعة البشرية، فقد يقود هذا البحث إلى تحسين الأدوية المضادة للغثيان وخاصة للأشخاص الذين يخضعون للعلاج الكيميائي، مما يسمح بعدد أقل من الآثار الجانبية غير المريحة للأدوية الموصوفة لعلاج مرض السرطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات