الصحافة الشاملة بين الرقمية والورقية.. أول أعداد مجلة الجزيرة يناقش مستقبل وسائل الإعلام

يُتوِّج مركز الجزيرة للدراسات اهتمامه بحقل الاتصال والإعلام بإصدار مجلة محكَّمة نصف سنوية “الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام” لتكون رافدًا معرفيًّا جديدًا لإثراء الإنتاج الفكري الإعلامي والاتصالي نظريًّا ومنهجيًّا وتطبيقيًّا، لاسيما في ظل المشكلات التي يعيشها هذا الحقل في العالم العربي، وافتقار المؤسسات الأكاديمية للإبداع في البرامج العلمية، وقلة البحوث التطويرية والمستقبلية.

وقد شكَّلت دراسات الاتصال والإعلام مجالًا بحثيًّا محوريًّا في الاهتمامات الفكرية والبحثية لمركز الجزيرة للدراسات منذ لحظة التأسيس عام 2006، باعتباره مؤسسة انطلقت من رحم شبكة إعلامية دولية، ثم تعاظم هذا الاهتمام بإطلاق برنامج للدراسات الإعلامية عام 2013.

وخلال هذا العقد (2013-2022) ركز البرنامج جهده البحثي على دراسة الموضوعات الإعلامية والقضايا الاتصالية المختلفة بمنظور متعدد وعابر للتخصصات، يتجاوز المقاربات التقليدية والرؤى الأحادية في الفهم والتحليل والتفسير، ويواكب الأطر المعرفية والرؤى المنهجية الحديثة، ولا يغفل متغيرات البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في مقاربته متعددة الأبعاد.

رؤى ونماذج معرفية

وبناء على منظور هذا التراكم المعرفي الإعلامي، تتأسس رؤية الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام في تفاعلها مع واقع التحولات المتسارعة في البيئة الإعلامية والاتصالية، وتطور الممارسة الإعلامية المهنية في ظل انتشار واسع لوسائل اتصال حديثة ومنصات اجتماعية غيَّرت مفاهيم كثيرة في المنظومة الإعلامية التقليدية ونموذجها الإخباري الخطي.

كما غيَّرت البيئة الرقمية أدوار الفاعلين في العملية الاتصالية، وأثارت قضايا وإشكاليات متعددة تستدعي مداخل نظرية غير تقليدية. ولا يمكن التفاعل مع تلك القضايا والتفكير فيها دون تطوير رؤى ونماذج معرفية تكون قادرة على استيعاب التحولات الجارية في هذه البيئة، وتنظر لحقل الإعلام باعتباره جزءًا من السياق العام للتحولات المجتمعية.

وسيكون لمجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، عبر انخراطها في هذا السياق العام، دور مهم في إنتاج رؤى ونماذج معرفية جديدة من خلال رصدها للمشكلات البحثية في حقل الاتصال والإعلام ودراستها، والبحث في اتجاهاته المستقبلية.

ولذلك، ستكون هذه المجلة منصة معرفية وعلمية مفتوحة للباحثين والأكاديميين المشتغلين في هذا الحقل، وتهتم باستكشاف واستقصاء الظواهر الإعلامية وتحليل القضايا الاتصالية، والتفكُّر في تفاعلها مع متغيرات البيئة الإعلامية ومحيطها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.

وتركز المجلة على الدراسات النظرية والتطبيقية والمقارنة والبحوث الاستشرافية باعتماد مقاربات منهجية عابرة للتخصصات، وتفتح نافذة لمراجعات الكتب والإصدارات الجديدة في حقل الاتصال والإعلام، كما تهتم بعرض ملخصات الرسائل الجامعية، وتغطية الندوات والمؤتمرات التي تتناول قضايا إعلامية راهنة.

وستُخصِّص أيضًا بابًا ثابتًا لمشروع المعجم الإعلامي الحديث، الذي يُصدِره مركز الجزيرة للدراسات. وسيكون معجمًا إلكترونيًّا متاحًا للقراء والمستخدمين، تُنشَر مادته العلمية في الأعداد المقبلة، ويجري رَفْدُه وإثراؤه بالمصطلحات المستحدثة في مجال الإعلام والاتصال، مواكبة لتدفُّق المصطلحات في هذا الحقل المعرفي الذي يتطور باستمرار.

التأليف المعجمي في الإعلام

ويُعد هذا المشروع عملا معجميًّا أكثر ثراء وتنوعًا في إطار التأليف المعجمي بمجال الدراسات الإعلامية، الذي يشكِّل صناعة حديثة نسبيًّا في السياق الثقافي العربي قياسًا إلى تاريخ الدراسات الإعلامية الجامعية نفسها.

وسيكون المعجم منطلقًا لفهم النشأة التاريخية لمصطلحات الإعلام، والسياقات المختلفة التي تبلورت فيها، والقضايا والإشكاليات التي تُعبِّر عنها في علاقتها بالتحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية والفلسفية، وتأثيرها على التفكير الإنساني في تلك القضايا. فالمصطلحات لا يمكن عزلها عن البنى الاجتماعية والتاريخية والسياسية التي أنتجتها، كما أن بعض العمليات الاجتماعية والتاريخية تحدث من داخل المصطلحات نفسها (الفضاء السيبراني، والشبكات الاجتماعية..).

ويُقدِّم العدد الأول لمجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام اللبنة الأولى في مشروع المعجم الإعلامي الحديث، الذي يمثِّل إسهامًا معرفيًّا لمركز الجزيرة للدراسات في صناعة معجمية تحقق التراكم المعرفي الإعلامي.

وتزداد أهمية هذا المشروع باعتبار هذه الصناعة وسيطًا علميًّا يُوثِّق الصلة بمجال اشتغاله، ويُكْسِب المتلقي وعيًا عميقًا بالكيفية التي يُعَبِّر بها النسق المعجمي عن صيرورة الظواهر والقضايا التي يعالجها من خلال البحث في أصول الكلمات وتَشَكُّل المصطلحات وبلورة المفاهيم واستقصاء تطورها التاريخي.

دراسات وأبحاث

وقد أعدَّ المادة العلمية، لهذه اللبنة الأولى، الأكاديمي الدكتور كمال حميدو. ويُقدِّم العدد الأول في باب “دراسات وأبحاث” نموذجًا لمقاربة متعددة الأبعاد في فهم وتحليل وتفسير القضايا الإعلامية، كما نقرأ في دراسة للأكاديمي الدكتور نصر الدين لعياضي، بعنوان “أزمة الصحافة الورقية العربية وعسر التحول في البيئة الرقمية“.

ويحاول لعياضي في هذه الدراسة فهم أسباب هشاشة الصحافة العربية من خلال إبراز العلاقات السببية لمتغيرات متعددة، وتحليل عوامل استمرار تشبُّثها بالنموذج التقليدي المُحدِّد لماهية الصحافة والصحافي والقراء.

وتحاول هذه الدراسة الإجابة عن سؤال إشكالي: لماذا لا تزال هذه الصحافة تواجه الأزمة التي استطاعت بعض الصحف الأميركية والأوروبية تجاوزها؟ وإن كانت تلتقي مع العديد من الدراسات التي ترى أن أزمة الصحافة العربية ذات طبيعة سياسية واقتصادية، إذ تعود إلى غياب الديمقراطية في الممارسة الصحفية، وصعوبة بناء نموذج اقتصادي بديل.

كما أنها (الدراسة) ترافع لصالح مقاربة تفهُّمِية تعتمد نظرية بيير بورديو ومفاهيمها الأساسية مُمَثَّلَة في “الحقل” و”التَّطبُّع” التي تسمح بالعودة إلى جذور هذه الأزمة.

وفي ذات الاتجاه، تتناول دراسة الأكاديمي الدكتور الصادق الحمامي، والباحث عبد العزيز قطاطة “نحو الصحافة الشاملة: الصحافة من منظور مستقبلي” تطورات الصحافة في سياق التحولات التكنولوجية وما يُسمَّى الاضطراب المعلوماتي.

وتقوم هذه الدراسة برصد أهم التقارير الدولية التي تناولت اتجاهات الصحافة في العالم، مركِّزة على المشكلات التي عالجتها المدونة (8 تقارير دولية) على غرار تراجع الصحافة الورقية وعائدات الإشهار والاستثمار، ومنافسة المنصات الاجتماعية والرقمية، والمخاطر التي تحف بالصحافة باعتبارها مرفقًا عموميًّا، وتراجع الثقة في الصحافة، وتأثير استمرار انتشار الأخبار الزائفة والمُضلِّلة على أدوار الصحفيين في المجال العمومي، وتحولات سوق الإعلانات، وخصائص المبتكرات التحريرية الجديدة، ورهانات الذكاء الاصطناعي.

وترى أن مقاربة الصحافة من منظور “الصحافة الشاملة” يأخذ في الاعتبار الجمع بين المبادئ المعيارية الكونية التي تقوم عليها الصحافة وأدوارها الأساسية السياسية، والمبتكرات التحريرية والتكنولوجية التي تحتاجها الصحافة حتى تجدد نفسها. وتُبرز الدراسة من خلال نتائجها ما أسمته “الانقلاب البراديغماتي” الذي شهده الخطاب عن التكنولوجيات الرقمية بالتحول من مقاربة الفرص إلى مقاربة المخاطر.

وتستقصي دراسة الباحث عبد الله سالم باخريصة دور الأخبار الزائفة وتصريحات السياسيين على منصات التواصل الاجتماعي في ظهور آليات التحري في الوقائع، وبروز نماذج من صحافة التحري في العمل الصحفي المهني في اليمن.

وقد أُجرِيت على عينة قصدية تتكوَّن من 120 صحفيًّا وصحفية ممن يمارسون عملهم الصحفي باليمن. واعتمدت المنهج الوصفي في مقاربة أبعاد المشكلة البحثية. ويرى باخريصة أن انتشار الأخبار الزائفة وتصريحات السياسيين في اليمن أدى إلى اهتمام الصحفيين بعملية التثبُّت من المعلومات والتحري فيها، وأن الأحداث والوقائع التي شهدها اليمن بعد العام 2011 ساعدت في انتشار المعلومات والصور والفيديوهات بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

وتحاول الدراسة -التي أعدَّتها الأكاديمية الدكتورة منال المزاهرة- الإجابةَ عن سؤال رئيسي: ما الإشكاليات التي تواجهها البحوث الإعلامية العربية في سياق البيئة الرقمية الجديدة؟ استنادًا إلى تحليل كيفي لعيِّنة قصدية من البحوث الإعلامية العربية شملت 66 دراسة، واعتمادًا على رؤية نقدية تبحث في ملاءمة المناهج والنظريات التقليدية للبيئة الرقمية وقدرتها على تأطير الظواهر الجديدة وتحليلها.

وترى المزاهرة أن معظم البحوث الإعلامية العربية -في ظل البيئة الإعلامية الرقمية- تعتمد على المنهج المسحي، وتفتقد إلى التنوع في استخدام أدوات جمع البيانات، كما تواجه إشكالية تطويع العديد من النظريات التي استخدمت في بحوث الإعلام التقليدي وتطبيقها على الإعلام الجديد، إضافة إلى أن العديد من البحوث والدراسات لا تستند إلى رؤى نظرية.

مستقبل وسائل الإعلام

وفي زاوية “قراءة في كتاب” -التي أعدَّها الأكاديمي الدكتور محمود قلندر- يقارب كتاب “مستقبل وسائل الإعلام: النظرية والجماليات” للمؤلِّفيْن كريستوف إرنست وجينز شرويتر المستقبل المحيط بوسائل الإعلام من واقع نظري وجمالي، بالنظر إلى الخيال حول المستقبل باعتباره الموحي بالواقع الحالي في مجال وسائل الإعلام. وبذلك يعتبر وسائل الإعلام العنصر الذي يمكن من خلاله التحكُّم في المستقبل.

ويتحدث المؤلِّفان عن نظريات التخيل الذهني وصلتها بمستقبل وسائل الإعلام، ويقومان، في هذا الصدد، بمناقشة 4 أمثلة: التصورات ذات الصلة بالتلفزيون التفاعلي وعلاقته بالوسائل في الجوانب الأدبية، “الحوسبة الفاعلة” وحضورها المستمر حتى اليوم، والتصوير المعاصر القائم على الأبعاد الثلاثية (الهولوغرافية) في سينما اليوم، والتخيل المرتبط بالحوسبة الكمية وكيفية استيعابها في أدب الخيال العلمي.

ويركز الكتاب على معالجة التطورات التكنولوجية في العالم أكثر من النظر إلى وسائل الإعلام، ويهتم كثيرًا بالجوانب ذات الصلة بالتكنولوجيا أكثر من تركيزه على الواقع الثقافي والاجتماعي للناس. فهو مثلًا لم يتناول قضايا حيوية ذات صلة بوسائل الإعلام، خاصة في تطورها نحو وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي باب “رسائل جامعية” تناقش الباحثة سَلَّم المباركي الإعلام والانتقال الديمقراطي بالمغرب بين الاستثناء والخصوصية.

وترى المباركي أن موضوع الإعلام قلَّما يُربط بالانتقال الديمقراطي الذي يوضع في نسق الإصلاحات السياسية، ودولة المؤسسات والحق والقانون، والتطور التنموي، وحرية التعبير التي تعتبر رافدًا أساسيًّا من روافد الإعلام.

وانطلاقًا من ذلك، تدرس الباحثة في أطروحتها مسألة الإعلام والانتقال الديمقراطي بالمغرب، وطبيعة علاقة التأثير والتأثُّر بينهما في ظل المتغيرات الإعلامية والديمقراطية محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

وتعتمد في معالجة هذه الإشكالية مقاربة مركَّبة تجمع بين منهج التحليل الوظيفي والمنهج الوصفي. فالمنهج الأول يسمح بدراسة الوظائف الظاهرة والمستترة أو غير المتوقعة التي تساعد في الكشف عن طبيعة التفاعل بين الظاهرة الإعلامية والظواهر الاجتماعية الأخرى، إذ إن الإعلام نظام عرفي مفتوح يتبادل التأثير ويتفاعل مع الانتقال الديمقراطي.

أما المنهج الوصفي فيتناول الظاهرتين من زوايا مختلفة، ويخضعهما للفحص والتحليل والتمحيص والوصف من أجل استخراج نتائج علمية ومحاولة الإجابة عن الإشكالية المطروحة.

وتخلص الدراسة، في مقاربتها لأبعاد العلاقة بين الإعلام والانتقال الديمقراطي في الحالة المغربية، إلى أن الإعلام جزء من السياسة في المغرب، وأن منطق اشتغال المنظومة السياسية هو ما يحدد للإعلام دوائر اشتغاله.

وكما أن التحول السياسي تراكمي وتدريجي فكذلك التحول الإعلامي، حيث وجدت بعض هوامش الحرية التي تسمح بقدر معين من النقد الحر، ولكنها ضيقة وغير كافية، ولا تفي بالحد الأدنى مما هو مطلوب.

دور قناة الجزيرة

وتحاول أطروحة الباحثة هديل سمير شقير بعنوان “دور قناة الجزيرة في تشكيل الوعي السياسي للعرب من خلال نموذج ثورة 25 يناير/كانون الثاني في مصر” رصد وتحليل تغطية الجزيرة للثورة المصرية لتحديد طبيعتها وإجراءاتها وأسلوبها وموضوعاتها وأهدافها.

وتسعى شقير للإجابة عن الأسئلة التالية: ما تأثير قناة الجزيرة في الوعي السياسي العربي؟ وما طبيعة دورها في تغطية الثورة المصرية: هل كانت ناقلًا للأحداث أم مشاركًا فيها؟ وكيف وظفت الجزيرة طاقمها الصحفي والعدة التكنولوجية، والخطاب الإعلامي والنشرات والتقارير الإخبارية، والتعليقات السياسية، لأداء دورها في التغيير السياسي خلال هذه الثورة؟

وتعتمد هذه الدراسة مقاربة تحليلية إثنوغرافية من أجل الوصول إلى فهم دقيق لتغطية الثورة المصرية في قناة الجزيرة، عبر فحص أرشيف النشرات الإخبارية واستخدام أسلوب المقابلات مع صحفيي الجزيرة الذين أنتجوا هذه التغطية.

وقد ساعد تحليل الباحثة الموضوعاتي في فهم محتوى الأخبار وتفاصيل النشرات الرئيسية وتحديد الأفكار الصريحة والضمنية وتجاوز منطوق الكلمات في النص، ومناقشة الانفعالات التي يمكن أن تثيرها تغطية هذه الثورة لدى الجمهور العربي بشكل عام، والجمهور المصري بشكل خاص، فالعاطفة مجال مهم تجب مراعاته خلال دراسة الجمهور التلفزيوني.

ولذلك، ترى هذه الدراسة أن محتوى الجزيرة، بما في ذلك المقابلات مع بعض الضيوف، خلال الثورة المصرية كان أكثر من مجرد أخبار ونشرات وتقارير وتعليقات سياسية، بل شكَّل دليلًا أو كتيِّبًا للثورة من أجل المشاهدين والثوار بمحتواه التنويري والتربوي.

وخلصت الباحثة شقير في دراستها إلى أن تأثير الجزيرة على الثورة المصرية كان عميقًا، وتراكميًّا وليس فوريًّا. وعلى الرغم من أن الجزيرة لم تكن السبب الرئيس لهذه الثورة، فإنها كانت أحد أسبابها، لأن الناس ثاروا بفضل ما تراكم لديهم من الوعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات