أرقام قياسية عن الهجرة.. الإيرانيون “شعب موازٍ” خارج وطنهم

“لم أتخيل أنني سأترك البلاد يوما ما. أحب وطني جدا، ولأنني البنت الوحيدة لأمي فأنا متعلقة بها بشدة”. هكذا تقول طبيبة إيرانية متخصصة بالتجميل، وقد تركت بلادها قبل 6 أشهر واستقرت في كندا مع زوجها.

وحول ما دفعها إلى الهجرة، تضيف الطبيبة، التي طلبت عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية، “سئمت كل ما حولي على الرغم من أنني كنت أتمتع في بلدي بمكانة اجتماعية مرموقة ووضع مادي جيد”.

وتتابع في حديث للجزيرة نت “فقدت الأمل بسبب المعاناة التي يعيشها أقاربي وأصدقائي على جميع الأصعدة؛ السياسية والاقتصادية والحريات وحقوق الإنسان”. ووصفت الوضع في بلدها بـ”غير المنطقي وغير السليم والمتعِب للغاية”.

وتقول الطبيبة “كنت أتلقى التهديدات كثيرا بسبب ما أنشره عبر حسابي في إنستغرام من منشورات تختص بمهنتي وأيضا بسبب ملابسي التي أرتديها في عيادتي، فضلا عن دعوى قضائية رفعت ضدي لهذا السبب”.

وتذكر حادثة تهديدها من أفراد يُطلق عليهم في إيران “أصحاب الزي المدني” وهم أفراد من الأمن والاستخبارات، قالت إنهم دخلوا عيادتها وسلموها ورقة تحتوي على نص مكتوب بخط اليد وهددوها بسبب ملابسها التي عدّوها منافية لقانون الحجاب. وقالت إنها كانت ترتدي قميصا وبنطالا وغطاء رأس صغيرا يشبه القبعة.

تأتي رواية الطبيبة بعد تصريح للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بنهاية 2022، قال فيه إن “الهجرة يجب أن تكون اختيارا، لا ضرورة”. أما رئيس مرصد الهجرة في إيران بهرام صلواتي فقال إن المهاجرين هم من بذلوا قصارى جهدهم لتحقيق مطالبهم لكنهم لم ينجحوا.

المغتربون.. شعب موازٍ

شهدت إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979 هجرة شاملة لطبقة واسعة من معارضيها، حيث يُعد الإيرانيون المغتربون شعبا بموازاة الشعب الإيراني في الوطن، ويُقدر عددهم وفق مصادر أجنبية بأكثر من مليوني شخص. وفي السنوات الأخيرة، حيث ساءت الأوضاع في ظل العقوبات الدولية، ارتفعت مؤشرات الهجرة في البلاد.

ولا توجد إحصاءات رسمية في هذا الشأن، إلا أن رئيس مرصد الهجرة في إيران بهرام صلواتي يقول إنه منذ عام 2010 حتى عام 2021 صدرت سنويا 86 ألف تأشيرة غير سياحية للإيرانيين.

وقال صلواتي للجزيرة نت إن بلاده سجّلت أرقاما قياسية في الهجرة على الرغم من أن بيانات “مرصد الهجرة” في إيران تكشف أن جواز السفر الإيراني يحتل المرتبة 102 عالميا بين 116 بلدا.

وبينما يشهد الريال الإيراني انخفاضا حادا مقابل الدولار الأميركي، يرتفع مقدار خروج الأموال من البلد. وفي هذا الصدد، يقول صلواتي إن هجرة كل إيراني تعني خروج 45 ألف دولار من البلد على أقل تقدير.

وتكشف مصادر إيرانية غير رسمية أن 70 مليار دولار ذهبت من إيران إلى كندا، وعبر قطاع الشركات والعقار، في السنة ونصف السنة الأخيرة الماضية. ويكشف صلواتي أن تكاليف التعليم والصحة التي أنفقتها الدولة على كل مهاجر تعادل ملياري “تومان” إيراني (العملة الفارسية الرسمية سابقا).

ووفق تحقيقات مرصد الهجرة في إيران التابع لجامعة شريف للتكنولوجيا في طهران، “في شهر خُرداد عام 1401 الإيراني (22 مايو/أيار إلى 21 يونيو/حزيران 2022) كانت أهم أسباب هجرة الإيرانيين هي: طريقة الحكم في البلاد، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والفساد المؤسسي، والعقوبات التي تخضع لها البلاد، وتراوح سعر العملة، والتضخم والظروف المعيشية الصعبة”.

ويوضح مرصد الهجرة في كتابه السنوي الذي صدر بنهاية 2022 أن خيار “الهروب من الوضع الحالي” لم يكن ضمن الردود على سؤال أسباب الرغبة بالهجرة سابقا، بينما أضيف هذا الخيار في السنوات القليلة الماضية.

ونظرا إلى أن العمل عن بعد كان يقلص من الهجرة، انتقد صلواتي قيود الإنترنت في البلاد، وأوضح أنها قلّصت من إمكانية العمل عن بعد إلى حد كبير.

الهجرة إلى كندا

وبدوره، يربط رئيس رابطة التجارة الإيرانية-الكندية محمد وحيدي راد بين ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي في إيران ومقدار هجرة الإيرانيين إلى كندا ودخول أموالهم إلى ذلك البلد.

ويقول وحيدي راد للجزيرة نت إن كندا منذ عام 2018 زادت من صعوبات دخول الطاقات البشرية المتخصصة إليها، لذا أصبحت الهجرة باتجاهها عن طريق الاستثمار والتحصيل العلمي، والطريقتان تسهمان في إدخال أموال كثيرة إليها.

ومن جانبه، يوضّح رئيس فريق علمي يتولى إجراءات هجرة الطلاب من إيران إلى كندا وحصولهم على قبول في جامعاتها أن أغلب من يستشيرونه يرون أن الهجرة بغرض الدراسة أسهل طريقة لمغادرة البلاد بحثا عن مستقبل زاهر.

ويضيف أن عدد الراغبين بالهجرة يزداد سنويا رغم أن الأسعار في كندا مرتفعة بالنسبة للإيرانيين، لكنها خيارهم المفضل لأن اللغة المعتمدة الإنجليزية، وأيضا آفاق التطور مفتوحة هناك أمام الجميع.

وحول تأثير الاحتجاجات التي اندلعت في إيران منذ 4 أشهر بعد وفاة الشابة مهسا أميني أثناء اعتقالها لدى شرطة الأخلاق والآداب في طهران، يقسم رئيس الفريق العلمي الذي طلب عدم ذكر اسمه -في حديثه للجزيرة نت- الإيرانيين إلى 3 أقسام: من اتخذوا قرارا نهائيا بالهجرة، ومن قرروا البقاء في البلد معتقدين بأن هناك تغييرا جذريا وإصلاحا قريبا ينتظرهم، والفئة الثالثة مترقبون مترددون بين البقاء ومغادرة البلاد.

إيرانيو المهجر

ووفق أحدث إحصائيات “مرصد الهجرة”، فإن عدد الإيرانيين الذين ولدوا في إيران ويعيشون في 20 بلدا -تضم أكثر عدد من الإيرانيين في العالم- يبلغ مليوني نسمة تقريبا، وتُعد أميركا وكندا وتركيا وألمانيا وإنجلترا الوجهات المفضلة للإيرانيين المغتربين.

وتقول هذه الإحصائيات إنه من حيث جهة تأسيس شركات “اليونيكورن” (شركات ناشئة يتجاوز رأسمالها مليار دولار ومعظمها مختصة بالتكنولوجيا) يحتل الإيرانيون المرتبة العاشرة. كما أنه في عامي 2020 و2021 تم تأسيس 1661 شركة في تركيا بمساهمة الإيرانيين.

وتكشف رئيسة قسم الهجرة الاقتصادية في مرصد الهجرة الإيراني، فهيمة بهزادي، أن الإيرانيين أنفقوا 3 مليارات ونصف المليار دولار في عام 2022 لشراء المنازل في تركيا، إلى جانب 22 مليون دولار لتسجيل شركاتهم هناك في العام ذاته.

ووفق إحصاء السكان الذي أجرته أميركا عام 2018، كان 29 ألف إيراني يعمل في قطاع الصحة في أميركا، ومن بينهم 8 آلاف طبيب وجراح، ويشكل هذا العدد 26% من الإيرانيين العاملين بقطاع الصحة في أميركا.

وحذرت إيران في الأشهر القليلة الماضية من نقص الأطباء لأسباب أهمها الهجرة، حيث قال رئيس النظام الطبي محمد رئيس زاده “إذا استمر الوضع كما هو ستصبح البلاد بعد 5 سنوات من دون متخصصين في بعض المجالات ولا سيما جراحة القلب”.

ومن جانب آخر، قامت شركة التحليلات والاستشارات الأميركية المعروفة بمؤسسة “غالوب” في عام 2018 بإحصاء نسبة رغبة المهاجرين بالعودة إلى أوطانهم. ووفق هذه المؤسسة، فإن نسبة الرغبة بالعودة في العالم تعادل 7%، بينما يكشف “مرصد الهجرة” الإيراني أن هذه النسبة لدى الإيرانيين 1% فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات