انفجار مرفأ بيروت.. هل تشكل عودة القاضي البيطار حلا أم تعقيدا للقضية؟

بيروت- فتح المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار النار على أكثر من جبهة سياسية وقضائية وأمنية في لبنان، بإعلانه استئناف التحقيقات بعد نحو 13 شهرا من تعليقها نتيجة “دعاوى رد” رفعها عدد من السياسيين المدعى عليهم من نواب حاليين ووزراء سابقين.

وشبّه كثيرون طريقة عودة البيطار بـ”القنبلة المدوية” التي كشفت مجددا حجم الانقسام العمودي داخل الجسم القضائي بفعل السطوة السياسية على معظم أقطابه.

وظهرت أولى ردود الفعل برد النائب العام التمييزي (رأس النيابات العامة) القاضي غسان عويدات على البيطار في بيان أكد فيه أن “يدكم مكفوفة بحكم القانون، ولم يصدر لغايته أي قرار بقبول أو رفض ردكم، أو نقل أو عدم نقل الدعوى من أمامكم”.

وبعد أيام من لقائه وفدا قضائيا فرنسيا، علل البيطار عودته باجتهاد قانوني مفاده أن عضو المجلس العدلي (محكمة استثنائية) لا يجوز رده من محكمة أدنى من المجلس العدلي، كمحكمة التمييز. واستند لدراسة قانونية تعتبر أن صلاحيات المحقق العدلي حصرية، ولا يمكن ردها أو نقل الدعوى من يده إلى يد قاض آخر.

.

بنود العودة

وسلك البيطار بعودته للتحقيق مسارين:

  • أولا: أصدر قرارات بإخلاء سبيل نحو 5 موقوفين فقط (من بين نحو 17موقوفا) غير المتهمين بقضية المرفأ، وهم: مدير عام الجمارك السابق شفيق مرعي، ومدير العمليات السابق في المرفأ سامي حسين، ومتعهد الأشغال في المرفأ سليم شبلي، ومدير المشاريع في المرفأ ميشال نحول، والعامل السوري أحمد الرجب. وينتظر قرار الإخلاء النيابة العامة التمييزية للبت به.
  • ثانيا: الادعاء على 8 أشخاص، فيرتفع بذلك عدد المدعى عليهم في القضية إلى نحو 14 شخصا من بينهم عدد من السياسيين والقضاة والأمنيين، وحدد مواعيد لاستجوابهم.

ومن الشخصيات البارزة المدعى عليها: النائب العام غسان عويدات، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، والمدير العام لأمن الدولة طوني صليبا، مع الإشارة إلى أن البيطار سبق أن ادعى على الأخيرين، لكنه لم يحظ بإذن لملاحقتهما من قبل الوزارات التي يتبعان لها.

وواجه البيطار نحو 40 دعوى طلب رد أثناء تحقيقاته، وسبق أن ادعى على رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب ووزراء سابقين بينهم وزيرا الأشغال السابقان يوسف فنيانوس وغازي زعيتر، ووزير المالية السابق علي حسن خليل. وواجه أيضا هجوما سياسيا عنيفا ضده، ولا سيما من حزب الله وحليفته حركة أمل.

مسار التحقيقات

تمر إجراءات التحقيق والمحاكمة بالمجلس العدلي بـ5 محطات:

  • التحقيقات السرية.
  • قرار الاتهام.
  • إجراءات المحاكمة التمهيدية.
  • جلسات المحاكمة العلنية.
  • الحكم النهائي.

ويعد المجلس العدلي بلبنان محكمة جزائية استثنائية لا ترتبط بالقضاء المدني أو العسكري، وتُعيّن الحكومة قضاتها بموجب مرسوم بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى. لكن التحقيق بقي عالقا بالمرحلة الأولى (التحقيقات السرية).

والسبب القضائي المباشر الذي أدى لتعليقه هو طلبات الرد ودعاوى مخاصمة الدولة. والبت بهذه الطلبات يستوجب إصدار التشكيلات القضائية العالقة منذ أشهر لدى وزير المالية يوسف الخليل (مقرب من حركة أمل)، كما لم تعد الحكومة قادرة على إنجازها وهي بحكم تصريف الأعمال وفي ظل الشغور الرئاسي.

وكان كل من زعيتر وخليل تقدما أيضا بدعوى مخاصمة الدولة ضد رئيس الغرفة الأولى لدى محكمة التمييز القاضي ناجي عيد الناظر بطلب رد البيطار. والدعوى الأخيرة أمام “الهيئة العامة” لمحكمة التمييز نفسها التي فقدت نصابها القانوني (5 قضاة من أصل 10)، ولا تستطيع الانعقاد إلا بموجب تعيينات قضائية شاملة لملء المواقع الشاغرة.

وأمام هذه الحلقة المعقدة من تعطيل التحقيق، يعتبر النائب العام التمييزي السابق القاضي حاتم ماضي أنه ليس أمام البيطار سوى الامتثال لنصوص القانون الواضحة التي تلزمه بوقف التحقيق لحين البت بطلبات الرد بحقه.

وأضاف -في حديث مع الجزيرة نت- أن قرار عودة البيطار -من الناحيتين الإنسانية والحقوقية- جيد وضروري، لكن طريقة العودة من الناحية القانونية خاطئة، والحجة التي استند إليها ضعيفة ولا تمكنه من استئناف التحقيق قبل البت بطلبات الرد”.

واستبعد ماضي تجاوب المدعى عليهم بالمثول أمام البيطار، مرجحا أن تتسبب خطوته بردود عكسية سياسية وقضائية.

وبالتوازي مع ذلك، يرى الصحفي المختص بالشؤون القضائية يوسف دياب أن عودة البيطار عززت الانقسام الحاد داخل الجسم القضائي، وتحديدا داخل مجلس القضاء الأعلى الذي كان معترضا على اقتراح وزير العدل هنري خوري بتعيين محقق عدلي بديلا للبيطار.

وقال دياب للجزيرة نت إن تفرد القاضي البيطار بالعودة من دون انتظار البت بدعاوى الرد، أدى إلى إشكالية مع النيابة العامة التمييزية، التي لن تتعاون مع قراراته، لأن رئيسها أصبح معنيا شخصيا بالاستدعاءات.

والخطورة في خطوة البيطار -وفق دياب- أنه وسّع مجددا دائرة الادعاءات لتطال كبار القضاة وشخصيات أمنية، مذكرا أنهم تسببوا له بمشاكل سياسية بالغة حين سبق أن طلب إذنا لملاحقتهم.

وينقل دياب عن مقربين من البيطار عدم ربطه بين عودته للتحقيق ولقائه الوفد القضائي الفرنسي، رغم أن خطوته جاءت بعد الزيارة، مع التذكير أن الدعم الفرنسي لا يكفي وحده لتوفير غطاء سياسي لعمل البيطار.

ويتحدث عن توجه النيابة العامة التمييزية لتجاهل إجراءات البيطار، وعدم تنفيذ قراراته بإخلاء السبيل، “حتى لا تُشكل اعترافا بمشروعية عودته”.

ويترقب كثيرون تعليق مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي سهيل عبود، خصوصا بعدما أحال له وزير العدل هنري خوري كتابا يطلب فيه تفسيرا قانونيا مفصلا لنص إعلان عودة البيطار.

ويتوقع الصحفي المختص بالشؤون القضائية أن تتجه الأمور لمزيد من التعقيد، مذكرا أن البيطار كان يحظى بدعم القاضي عبود، “لكن الوضع حاليا شديد الحساسية، وسط الاستقطاب السياسي والقضائي”.

غياب العدالة

من جانبه، يرى الأكاديمي والخبير القانوني أنطوان سعد أن كل قرار قضائي بلبنان يلقى اجتهادا موازيا له، “لكن الأزمة أننا أمام نظام متجذر للإفلات من العقاب تتجاوز قوته كل الاجتهادات والقوانين”، مؤكدا أن الأولوية يجب أن تكون لعودة التحقيقات بأي ثمن.

وأضاف سعد للجزيرة نت أن الإخراج القانوني الذي قدمه البيطار محق ومنطقي، لأن الجهات التي تنظر بدعاوى الرد تتبع للقضاء العادي، بينما هو جزء من قضاء استثنائي. ويدعو سعد إلى ضرورة تعبيد الطريق أمام عمل البيطار، “لأنه السبيل الوحيد لتحقيق العدالة طالما أن الطبقة السياسية لا تريد لأي قاضٍ أن يحقق بما يمس أو يتعارض مع مصالحها، وهي تفضل طمس الحقيقة وبقاء القاضي مكفوف اليد”.

ومع ذلك، يجد سعد أن عودة البيطار ستبقى مقيدة نتيجة الإصرار على تجاهله وعدم التجاوب مع كل قراراته. وإذا أصر على خطواته، “فإن التداعيات السياسية ستكون خطيرة، وأحداث الطيونة الشهيرة نهاية عام 2021، دليل على ذلك”.

وتُعوّل شريحة واسعة من اللبنانيين مع أهالي الضحايا على استكمال التحقيق بجريمة غيرت مصير حياتهم، بينما يترقب لبنان في الأيام المقبلة التداعيات السياسية والقضائية لهذه العودة المفاجئة للمحقق العدلي في قضية المرفأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات