القصف الروسي لغالبية منشآت الطاقة غيّر حياتهم.. هكذا تعقدت تفاصيل معيشة الأوكرانيين

كييف – منذ أواسط أكتوبر/تشرين الأول الماضي، توجهت روسيا نحو استهداف منشآت الطاقة والمياه أكثر من غيرها، فانقلبت حياة الأوكرانيين رأسا على عقب، وانعكس القصف المتكرر على أدق تفاصيل وعادات العيش والعمل، حتى باتت بعض البديهيات فيها ضربا من رفاهية صعبة المنال.

ولإدراك حجم الآثار والتداعيات، تكفي معرفة أن القصف -وفق وزارة الطاقة- أتى على كل محطات التوليد الحرارية والكهرومائية في البلاد، وعلى ما لا يقل عن 50% من المحطات الأخرى، التي يبلغ عددها 345، بين محطات توليد وتحويل رئيسية وفرعية؛ فحرم الملايين من الكهرباء والمياه والدفء، لفترات طويلة، تتراوح بين 8 ساعات وعدة أيام متواصلة.

عزلة وحبس في البيوت

في كل بيت أوكراني اليوم، باتت الشموع، ومصابيح الإنارة بالبطاريات القابلة للشحن، واحتياطيات مياه الشرب والاستخدام العام؛ جزءا من الديكورات، إن صح التعبير، وخلت معظم الثلاجات من أي مواد غذائية سريعة التلف.

واليوم، يبدأ نهار كل أوكراني بنظرة أولى، أو تحسس لصوت ما يثبت وجود الكهرباء في البيت أو ينفيه، فهذا سيحدد ما إذا كان يستطيع احتساء القهوة أو تناول الفطور، أو الاستحمام قبل الانطلاق إلى العمل، خاصة إذا كان إعداد الطعام وتسخين المياه مرتبطين بالكهرباء لا بالغاز.

وهذا أيضا سيحدد لكثير من النساء والجدّات ما إذا كن سيبقين حبيسات البيوت، أو أنهن سيستطعن الخروج للتنزه مع عربات الأطفال، لأن المصاعد متوقفة، ونزول أدراج الطوابق المرتفعة متعب جدا، وصعودها -حتى بدون عربات- نوع من العذاب.

هذا بالإضافة إلى أن شبكات الإنترنت والاتصالات تصاب بالشلل في الأحياء السكنية، إذا ما استمر انقطاع الكهرباء ساعات طويلة، وهكذا يعزل الأوكرانيين عن بعضهم، وعن العالم.

مواصلات مكتظة وأزمات خانقة

الذهاب إلى العمل لم يعد سهلا على الجميع، فالاعتماد على وسائل المواصلات الكهربائية، من عربات ترام وحافلات ومترو، مرهون بتوفر الكهرباء في كل المناطق التي تتحرك فيها، وهذا غير متاح يوميا.

بل إن حركة المواصلات الكهربائية تتوقف تماما بعد ساعات القصف الأولى، ومحطات مترو الأنفاق، الذي يعد وسيلة النقل المفضلة لدى 50% من السكان في كبريات المدن، تتحول إلى ملاجئ عامة وآمنة أكثر من غيرها.

ولهذا، يلجأ الأوكرانيون اليوم إلى وسائل نقل تقليدية أخرى تكتظ بهم، أو إلى الاعتماد على سياراتهم وسيارات الأجرة، الأمر الذي يسبب أزمات مرورية خانقة في أوقات الذروة، لا سيما أن كثيرا من إشارات المرور الضوئية لا تعمل.

كما صارت مصابيح الجيوب والهواتف النقالة رفيقا ملازما للجميع، تعينهم على السير في العتمة ولفت انتباه السائقين على ممرات المشاة، وتجنبهم السقوط في حفر لا يرونها، والانزلاق بسبب الثلوج والمياه المجمدة على الطرقات والأرصفة.

ضجيج المولدات “مألوف مزعج”

وخلال ساعات اليوم، بات ضجيج المولدات مألوفا ومزعجا في آن معا، فالكثير من المحلات والمراكز التجارية والصيدليات والبنوك وغيرها انتقلت نحو الاعتماد عليها، حتى يستمر عملها، أو استسلمت وأغلقت أبواب بعض فروعها بغية التوفير.

وهكذا، تشكلت في مدن أوكرانيا ظاهرة الإغلاق على نطاق واسع، أو الزحام على كل شيء في أماكن أخرى، ما يدفع الكثيرين إلى الشراء (في متاجر المواد الغذائية على سبيل المثال) بكميات كبيرة قدر الإمكان، حتى لا يعيدوا البحث عنها ويدخلوها قريبا، لدرجة أن رفوف المواد الأساسية (الخبز – الزيت – الطحين – المياه) تخلو سريعا.

اعتماد على طعام الخارج

ولأن فكرة الطهي في البيوت باتت تعني مشقة شراء المواد اللازمة وتحمل عناء حملها صعودا، وقد لا تكلل بفرصة الطهي إذا استمر انقطاع الكهرباء أصلا، وجد كثير من الأوكرانيين مخرجا فيما تقدمه المتاجر من أصناف طعام جاهزة، أو في وجبات مطاعم وأكشاك الوجبات السريعة، فازدهرت الشاورما ووجبات الهمبرغر على حساب الطعام الصحي المتكامل التقليدي.

ولكسب الدفء وشحن الهواتف النقالة، باتت “نقاط الصمود”، التي نشرتها السلطات في مقار حكومية وتعليمية وخيام خاصة، ملاذا لكثير من الأوكرانيين، بعد أن كانت الصورة النمطية قبل الحرب تربطها بحاجة المشردين فقط.

لا متعة ولا ترفيه

وتكاد تغيب المتعة والترفيه تماما عن حياة الأوكرانيين، فإذا كان السفر للاستجمام (في مختلف فصول العام) شيئا ضروريا أو حتى “مقدسا” لدى شريحة واسعة منهم قبل الحرب، فإنه اليوم محظور في ظل حالة الحرب وقيود السفر.

أما المعارض والمسارح والحفلات ودور السينما وصالات الرياضة والترفيه الأخرى، فتكاد تكون معدومة، ناهيك عن أنها مجبرة على إغلاق أبوابها ساعات قد تكون طويلة بعد كل إنذار جوي، إن وجدت.

وفي البيوت أيضا، لا مجال للعب على الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز أو تصفح مواقع الإنترنت ومشاهدة الفيديوهات، إلا لمن حالفه الحظ بساعات وصال قليلة مع الكهرباء والإنترنت.

يقول الشاب هريهوري، وهو أحد سكان العاصمة كييف “الأوكرانيون يعشقون رياضة الملاكمة وكرة القدم؛ والحرب حرمتنا متعة متابعة المواجهات، ومباريات كأس العالم في قطر كما يجب”.

فكرة اللجوء تتجدد

وعلى خلفية كل ما سبق، وغير ذلك الكثير من متغيرات الحياة في ظل الحرب، تراود فكرة النزوح وتكرار اللجوء الكثيرين في أوكرانيا، بعد أن قرروا العودة أواسط العام، أو رفضوا الفكرة أصلا في بدايات الحرب.

ورغم أن رئاسة الوزراء تؤكد أن فكرة العودة تراود 60% من اللاجئين الأوكرانيين في الخارج، يشير معهد كييف للدراسات الاجتماعية إلى أن فكرة النزوح واللجوء تراود فعلا نحو 30% من السكان الباقين، سواء إلى القرى لضمان دفء مواقد الحطب على الأقل، أو من خلال موجة نزوح جديدة إلى دول أوروبية.

ولكن، يرى كثيرون أنها فكرة غير قابلة للتحقق، ومنهم السيد فالينتين، الذي قال للجزيرة نت “لن يغادر إلا الأطفال والنساء طبعا، فالرجال ممنوعون، ولهذا السبب يرفض كثير من الأسر فكرة التفرقة عن بعضها”.

ويضيف “يريدون أن يخرجوا السكان أو نثور ضد السلطات، لكن هذا لن يحدث. هذه الأزمة ستمر كما مرت المعارك في بدايات الحرب، وكما مرت أزمة شح الوقود أواسط السنة. أعتقد أن كثيرا من الأوكرانيين يؤمنون بذلك، ويدركون أن تحمل الظروف الراهنة أفضل حتما من تبعات انتصار روسيا”، على حد قوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات