الأعلى في تاريخ البلاد الحديث.. كيف حمت ألمانيا مواطنيها من التضخم؟

شهد عام 2022 ارتفاعًا في معدلات التضخم بألمانيا منذ توحيد البلاد عام 1990، حيث أعلن مكتب الإحصاء الاتحادي في فيسبادن الثلاثاء الماضي أن متوسط ارتفاع أسعار المستهلك على مدار العام الماضي بلغ 7.9% مقارنة بعام 2021. وارتفعت الأسعار في العام 2021 بمتوسط 1.3%.

وفي الوقت نفسه، أشار المكتب إلى تباطؤ ارتفاع التضخم في ألمانيا عند مستوى مرتفع في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث زادت أسعار المستهلك 6.8% على أساس سنوي.

وكانت الحكومة الألمانية اتخذت مجموعة من التدابير السنة الماضية للحد من التضخم؛ بما يساعد المستهلك الألماني على مواجهة جنون الأسعار الذي جاء متزامنًا مع الحرب الروسية الأوكرانية؛ مثل تخصيص 30 مليار يورو لخفض الضريبة على البنزين، وتخفيض تذاكر سفر القطارات بين المدن الألمانية 3 أشهر من خلال بطاقة بقيمة 9 يوروهات.

وفي 22 سبتمبر/أيلول الماضي، أقرّت الحكومة حزمة المساعدات الثالثة البالغة 65 مليار يورو بهدف حماية المستهلكين والاقتصاد الوطني من تداعيات ارتفاع التضخم.

وكانت الأحزاب الثلاثة المشكلة للحكومة اتفقت على  تدابير تشمل دفع 300 يورو مرة واحدة لملايين المتقاعدين لمساعدتهم على تسديد فواتير الطاقة المرتفعة، إلى جانب تمديد خفض تكاليف وسائل النقل العام، وإعفاءات ضريبية بقيمة 1.7 مليار يورو لـ9 آلاف شركة كثيفة الاستهلاك للطاقة.

تطمينات حكومية بتراجع التضخم

توقع وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر أن ينخفض التضخم في أكبر اقتصاد في أوروبا هذا العام إلى 7%، وأن يواصل التراجع في 2024 وما بعدها، لكنه توقع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترات مطولة.

وقال ليندنر -في لقاء صحفي مع صحيفة “بيلد” إن مستوى التضخم المستهدف سيظل عند 2%، مشيرا إلى أن بلوغ هذا المستوى يجب أن يكون هو الأولوية القصوى للبنك المركزي الأوروبي والحكومة في ألمانيا.

4 أسباب رئيسية للتضخم

الجزيرة نت توجهت بالسؤال عن سبب الارتفاع الهائل في معدل التضخم في الاقتصاد الألماني لخبير الاقتصاد العالمي دكتور محمود المسافر، وأوضح أن ذلك يعود لـ4 أسباب رئيسية:

عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية تعرّض الاقتصاد العالمي -لا سيما الاقتصادات الأوروبية- إلى ما يسمى “صدمة العرض”، بسبب توقف تصدير منتجات الحبوب من أوكرانيا إلى دول العالم؛ وهو ما أدى إلى الانخفاض المفاجئ في العديد من السلع، وحدث الشيء ذاته في قطاع الوقود كون روسيا منتجًا ومصدرًا مهمًا للوقود ليس إلى ألمانيا فحسب، بل إلى كل أرجاء أوروبا.

  • التوقعات التشاؤمية

بسبب اندلاع الحرب ومن بعد ذلك استمرارها وزيادة التوقعات بشأن آثارها الكارثية المتوقعة والممتدة خارج إقليم الحرب؛ سادت -ولا تزال- موجة من التوقعات التشاؤمية بأن التأثيرات الاقتصادية للحرب ستستمر، لا سيما بعد إغلاق روسيا خط “نورد ستريم 1” الناقل للنفط الروسي إلى ألمانيا، وإعلان السلطات الألمانية أنها لن تشتري النفط الروسي في عام 2023، وأكدت ألمانيا أنها ستشتري النفط من مصادر أخرى، ومنها كازاخستان.

وهناك شكوك كبيرة بشأن إمكانية أي مصدر نفطي آخر يمكنه توفير ما كانت توفره روسيا من نفط خام للمصافي الألمانية.

  • زيادة المعروض النقدي

لا شك أن أول إجراء اقتصادي اتخذته ألمانيا وكثير من الدول الأوروبية هو زيادة المعروض النقدي من أجل مواجهة المصروفات الجديدة المترتبة لمواجهة آثار الحرب الروسية الأوكرانية؛ وهو ما أدى إلى انخفاض سعر اليورو مقابل الدولار الأميركي وعدد من العملات الدولية الأخرى.

  • ارتفاع الأسعار

كذلك أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار بعض المنتجات التي تدخل في إنتاج الغذاء؛ مثل منتجات الفوسفات والبوتاس التي تعرضت أسعارها لزيادة غير طبيعية.

الحلول المتوقعة لخفض التضخم

ورأى الدكتور محمود المسافر أن حل مشكلة التضخم يمكن أن يتحقق من خلال 3 أمور:

  1. محاولة تعويض النقص في سوق الطاقة بإيجاد بدائل للنفط والغاز الروسيين.
  2. زيادة سعر الفائدة من دون حدوث انكماش اقتصادي خوفا من زيادة معدلات البطالة.
  3. طمأنة الناس بهدف عدم تكديس البضائع خوفا من استمرار ارتفاع الأسعار مع استمرار الأزمة.

التضخم قاسم مشترك

أكد الدكتور محمد طاقة -في حديثه للجزيرة نت- أن التضخم الاقتصادي ليس مقتصرًا على ألمانيا، بل هو داء مشترك للاقتصادات الكبرى في العالم، ووصل التضخم في الولايات المتحدة الأميركية إلى 8.6%، وهو الأعلى منذ 40 عامًا، وفي منطقة اليورو وصل التضخم إلى 8.1%؛ مما أثقل كاهل المواطنين وأثر على حياتهم اليومية.

وأكد أن السبب الرئيسي هو تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات التي فرضتها أميركا والدول الغربية على روسيا بهدف محاصرة الاقتصاد الروسي.

وأشار إلى أنه من المتوقع أن تحدث زيادات أخرى إذا استمرت الحرب فترة طويلة، حيث ستؤدي إلى تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي في العالم، علمًا أن الاقتصاد العالمي يتباطأ بشكل حاد.

وكان النمو عام 2022 نسبته 3.2%، ومن المتوقع أن تصل إلى 2.9% في عام 2023، وقد يواجه العالم حالة من الكساد الاقتصادي تضاهي الكساد الكبير الذي وقع بين عامي 1929 و1932.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات