آخر ملوك الأندلس المنبوذ من الجميع.. محاولة للبحث عن قبر أبي عبد الله الأحمر في فاس

الرباط – تتحول ساحة المصلى في مدينة فاس المغربية إلى مكان لإقامة صلاة العيدين، فيما تصبح في باقي أيام السنة ملاذا لسكان الحي للجلوس والتلاقي وتبادل الحديث، في حين يلعب أطفالهم في الساحة.

ينتصب في أحد جوانبها ضريح صغير تعلوه قبة خضراء اللون يقول السكان إنه مرقد ولي صالح من أولياء فاس، فيما يرجح فريق بحث أثري أنه مثوى أبي عبد الله الأحمر آخر ملوك الدولة النصيرية في غرناطة، والذي وقع معاهدة تسليم آخر معاقل المسلمين في بلاد الأندلس.

اهتمام متزايد

وتزايد الاهتمام بشخصية أبي عبد الله الأحمر آخر أمراء الدولة النصيرية في غرناطة عبر أبحاث أثرية وتاريخية وروايات وأفلام وثائقية إسبانية حول هذه الشخصية التي ارتبط اسمها بنهاية الوجود الإسلامي في الأندلس.

وقدم المنتج الإسباني مانويل ألونسو نافارو مؤخرا في معهد سيربانتس بفاس فيلمه الوثائقي “قبر أبي عبد الله”، بحضور باحثين ومهتمين بالشأن الثقافي في المدينة العلمية للمغرب.

تتبع الفيلم الوثائقي حياة ملك غرناطة أبي عبد الله والظروف التي صاحبت توليه العرش إلى الحصار الذي فرضه فرناندو وإيزابيلا ملكا قشتالة وأراغون على المدينة، والذي انتهى باستسلام أبي عبد الله ومغادرته نحو المغرب.

وانتقل نافارو في فيلمه نحو فاس باحثا عن معلومات تقوده إلى مكان استقرار أبي عبد الله وموضع دفنه.

أُنتج هذا الفيلم ضمن سلسلة وثائقية تاريخية تبثها قناة “آر تي في إي”(RTVE) الإسبانية، وكان ينتظر عرضه في فاس سنة 2019 لكن ظروف جائحة كورونا أخرت العرض.

ويقول نافارو للجزيرة نت إن اهتمامه بشخصية أبي عبد الله “بوعبديل” كما يسميه الإسبان نابع من اهتمامه بتاريخ الأندلس، وهي الفترة التي يرى أنها غير معروفة كثيرا في إسبانيا على الرغم من أهميتها.

ويشير إلى أنه قرأ منذ سنوات رواية الروائي والمسرحي الإسباني “أنطونيو كالا” المعنونة بـ”المخطوط القرمزي”، وألهمته للبحث أكثر عن شخصية أبي عبد الله وعن تلك الفترة المهمة من تاريخ إسبانيا.

زغبي أم رجل دولة؟

يصفه الإسبان بالصغير (El chico)، فيما يطلق عليه المغاربة اسم “الزغبي” ومعناها “سيئ الحظ والمشؤوم”، فهو في خيالهم ملك تنازل عن أرضه ولم يحافظ على عرش أجداده.

وتتناول العديد من المصادر التاريخية حياة أبي عبد الله في غرناطة منذ ولادته ونشأته، والصراعات التي شهدها قصر الحمراء وأوصلته إلى الحكم بدعم من والدته عائشة.

تولى أبو عبد الله العرش وعمره 25 سنة في ظرف صعب اتسم بتفكك الممالك في الأندلس وسقوطها تباعا، وتعرضت غرناطة بدورها لحصار استمر أشهرا نتج عنه انتشار الجوع والمرض وسط الأهالي، ليقرر ملكها التفاوض مع الملكين الإسبانيين وتسليم المدينة مقابل حماية أرواح وأموال السكان.

تقول رئيسة مركز الدراسات الأندلسية المغربية في فاس سعيدة العلمي للجزيرة نت إنه لم يكن أمام أبي عبد الله الأحمر خيار بعد حصار طويل قل فيه الزرع وجف النهر، لذلك قرر بعد استشارة أهل الحل والعقد من حاشيته الاستسلام، مؤكدة أن هذا القرار لم يكن فرديا كما أشارت إلى ذلك بعض المصادر التاريخية.

ويوضح نافارو أن العمل الوثائقي الذي اشتغل عليه جعله أكثر وعيا وفهما لهذه الشخصية، فأبو عبد الله في تلك الفترة كان بالكاد في بداية شبابه وضحية الظروف، كما أنه كان قطعة يحركها آخرون في لوحة سياسة متوسطية معقدة.

ويضيف “تأثرت كثيرا للمقاومة التي تعرض لها إبان إقامته في فاس، إذ تحول إلى ملعون”.

الحياة بعد غرناطة

لا تُعرف تفاصيل كثيرة عن حياة هذا الملك بعد نزوحه إلى المغرب ومكان دفنه وحياة أبنائه بعده.

وتشير سعيدة العلمي إلى أن المصادر الإسبانية تناولت نزوح أبي عبد الله إلى المغرب بوصفه حدثا كبيرا سجلت فيه انتصارها بخروج الإسلام من الأندلس، وأصبح هذا الحدث مطية للروايات والأساطير والرسومات والبطولات وكتب عنه كل شيء بلغة المنتصر، أما المصادر العربية فقد تناولته باقتضاب ولم تهتم كثيرا بما وقع بعد وصوله إلى المغرب.

وتضيف أن مدينة فاس (عاصمة الدولة حينها) كان تعج بالفوضى إبان وصول أبي عبد الله إليها، الى جانب الصراعات الداخلية والخارجية مع البرتغال والإسبان واحتلال بعض الشواطئ المغربية.

ويكشف كتاب “معلمة المغرب” أن أبا عبد الله الأحمر توجه بعد مغادرته غرناطة نحو بلدة أندرش في منطقة البشرات القريبة من ألميرية، وقضى فيها سنة لكنه لم يطق الإقامة فيها فقرر الذهاب إلى المغرب.

وتحكي مصادر أخرى أن زوجته المحبوبة مريمة توفيت حزنا وكمدا في هذه البلدة، فلم يعد يطيق البقاء فيها بعدها.

وتوضح العلمي أن أبا عبد الله تلقى طعنة من أقرب رجالاته خلال مقامه في الأندلس بعد تسليم المدينة، إذا خانوه وباعوا أملاكه كما تروي بعض المصادر، مما جعله يقرر الرحيل نحو المغرب هو وعائلته وحاشيته حاملا معه ما تبقى من أموال.

وبعد حوالي قرن على وفاته تناول المؤرخ والأديب أحمد المقري في كتابه “نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” باقتضاب إقامة أبي عبد الله في فاس، إذ أشار إلى أن ملك غرناطة الأخير غادر الأندلس نحو مليلية ومنها إلى فاس، حيث استعطف سلطانها برسالة مطولة للإقامة في المدينة، وبنى خلال إقامته فيها قصرا يشبه قصره في الأندلس، وعاش في فاس 40 سنة إلى أن وافته المنية وهو في عقده السابع.

ومما جاء في الكتاب “انتهى السلطان المذكور بعد نزوله بمليلية إلى مدينة فاس بأهله وأولاده معتذرا عما أسلفه متلهفا على ما خلفه وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس، رأيتها ودخلتها”.

وأضاف “توفي -رحمه الله- في فاس عام أربعين وتسعمائة، ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلّف ولدين، اسم أحدهما يوسف والآخر أحمد، وعقب هذا السلطان بفاس سنة 1027 يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين”.

بحث تاريخي

استند فريق بحث إسباني إماراتي سنة 2013 على رواية المقري في “نفح الطيب”، لتتبع مكان دفن أبي عبد الله الأحمر بساحة المصلى في فاس قرب باب الشريعة.

قاد البحث هذا الفريق إلى ضريح مهجور يعرف بأنه مدفن ولي صالح يدعى أبو القاسم، أثبت فحص المكان بواسطة رادار جيولوجي أن الضريح يضم جثتين، وأكد الفريق أن إحداهما للولي الصالح أبي القاسم، ورجح بشكل كبير أن الجثة الأخرى تعود لأبي عبد الله الأحمر، إذ كان من المعتاد دفن الأمراء والسلاطين إلى جانب الأولياء الصالحين.

وكانت لدى فريق البحث رغبة في استخراج بقايا الجثة وإجراء تحليل للعظام، غير أن هذه الرغبة اصطدمت بالبيروقراطية، حسب ما صرح الفريق حينها لوسائل إعلام إسبانية.

حاولت كنزة الغالي -وهي حاليا سفيرة المغرب في تشيلي- مساعدة فريق البحث للتأكد من نظريته واستخراج الرفات من القبر.

وأوضحت الغالي -التي كانت حينها تشغل منصب نائبة عمدة فاس- للجزيرة نت أنها سعت من موقعها إلى تسهيل عمل هؤلاء الباحثين كونها أيضا باحثة في مجال الدراسات الأندلسية ومهتمة بالموضوع وأستاذة جامعية.

ساعدت كنزة الغالي الفريق في التواصل مع وزارتي الثقافة والأوقاف والشؤون الإسلامية، غير أن كل الجهات رفضت منح الترخيص بدعوى عدم الاختصاص، فغادر الفريق فاس دون أن يحقق الهدف.

ويعتقد نافارو أن تحديد مكان دفن آخر ملوك غرناطة هو مشكلة علمية وسياسية ويمكن إيجاد حل بسيط لها، ويقترح تشكيل فريق عمل مشترك بين جامعة فاس وعلماء آثار إسبان -من بينهم المؤرخ الإسباني بيرخيليو مارتينيز إينامورادو- لاستكمال البحث، ويرى أن هذا التعاون ضروري لتحديد مكان دفن أبي عبد الله بشكل دقيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات