100 عام على وفاة عبقري الرواية الفرنسية.. في مطبخ مارسيل بروست والبحث عن الزمن المفقود 

باريس – “لوقت طويل كنت آوي إلى سريري في ساعة مبكرة. ” كمعزوفة منفردة في سيمفونية الكون، تطالعنا الجملة الأولى من رائعة الروائي الفرنسي مارسيل بروست (1871-1922) في “البحث عن الزمن المفقود”، حاملة في ثناياها رمزية مكثفة لهذه الملحمة الأدبية الإنسانية التي كتبت على سرير المرض بين الحلم واليقظة، وتحدت الألم وعاندت القدر، فخلدها الزمن.

وفي رحلة على جناح الكلمات وسفرة أدبية مشوقة عبر الزمن، بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة عبقري الرواية الفرنسية والعالمية مارسيل بروست، يأخذنا قسم المخطوطات بالمكتبة الوطنية لفرنسا، إلى معرض فني طريف بعنوان “صناعة الأثر الفني” عن هذا العبقري وعن رائعته “البحث عن الزمن المفقود”، ويغوص بنا في كواليس ومطبخ بروست الداخلي للكتابة من خلال ما يقرب عن 370 وثيقة نادرة من المخطوطات والمسودات والدفاتر بخط يده واللوحات والصور والأزياء والمقتنيات والطبعات النادرة لكتبه.

مرض العبقرية

ولد مارسيل بروست في العاشر من يوليو/تموز 1871، بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب الفرنسية البروسية مع بداية الجمهورية الفرنسية الثالثة. وعاش في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20 في باريس.

درس القانون وتفوق في الأدب رغم مرضه، وكتب المقالات ومارس النقد، وإلى جانب تميزه في كتابة الرواية، نشر القصص مثل مجموعته الأولى “المتع والأيام” عام 1896.

عانى بروست من مرض الربو منذ طفولته، وفي سن التاسعة أصيب بأول نوبة ربو خطيرة، واعتُبر بعد ذلك طفلًا مريضًا. وبسبب مرضه قضى بروست عطلات طويلة في قرية إليليرس التي أصبحت فيما بعد جنبًا إلى جنب مع ذكريات منزل عمه في بلدة أوتيل، نموذجًا لمدينة كومبراي الخيالية، التي تحدث فيها المشاهد الأكثر أهمية في رواية “البحث عن الزمن المفقود”.

وبحلول عام 1897، أصبح بروست منعزلا عن المجتمع، بعدما ازدادت حالته الصحية سوءا. وبعد زواج شقيقه روبرت بروست ومغادرته منزل العائلة عام 1903، توفي والده في العام نفسه. كما كان لوفاة والدته في العام 1905، أثرا كبيرا على هجرانه المجتمع وجعله أكثر عزلة. وتسببت هذه الأحداث المتتابعة في تدهور صحته وتغير نظرته للمجتمع واختياره العزلة إقامة دائمة.

أمضى بروست السنوات الثلاث الأخيرة من حياته محجوزا في سريره وغرفة نومه أغلب الوقت، نائما خلال النهار ويعمل ليلا لإكمال روايته “البحث عن الزمن المفقود”. وتوفي في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1922، ودُفن في مقبرة بير لاشيز في باريس.

يتيمة الدهر

ورغم أن مارسيل بروست كتب المقالات النقدية وبعض القصص، فإنه كرّس أغلب حياته في كتابة روايته “البحث عن الزمن المفقود” التي وضع فيها كل عبقريته، والتي جاءت في 7 أجزاء ومجلدات، هي: جانب منازل سوان، وفي ظلال ربيع الفتيات، وجانب منازل غرمانت، وسادوم وعامورة، والسجينة، وألبرتين المختفية، والزمن المستعاد.

بدأ بروست كتابة هذه الملحمة الأدبية الإنسانية عام 1909 وتوزعت على 4300 صفحة، واحتوت على مليون ونصف المليون كلمة، وبلغ عدد شخصياتها 200 شخصية. ونشرت بين عامي 1913 و1927، وهي اليوم تعتبر من أشهر الأعمال الأدبية العالمية. وبسبب هذه الرواية وصف الكاتب غراهام غرين بروست بأنه “أعظم مؤلف في القرن الـ20”.

وبعد رفضها من الناشرين في مرحلة أولى، تزامن صدور الجزء الأول من الرواية المعنون بـ “جانب منازل سوان” أواخر عام 1913 مع الحرب العالمية الأولى التي انطلقت شرارتها بعد فترة قصيرة.

ولاحقا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فاز المجلد الأول بجائزة “غونكور” الفرنسية للرواية عام 1919، وبداية من المجلد الثاني أصبح غاستون غاليمار صاحب دار النشر الشهيرة “غاليمار”، الناشر الرئيسي لكل أعمال مارسيل بروست.

ورغم السنوات الطوال التي قضاها في كتابة هذه الرواية الملحمة، يأبى القدر إلا أن يرحل بروست عن الدنيا ويفارق الحياة دون أن يتمكن من تنقيح المجلدات الثلاثة الأخيرة وإنجاز النسخة النهائية من الرواية، وقد تركها على شكل مسودات راجعها وحررها أخوه روبرت ونشرها بعد وفاته.

الحفر في الذاكرة

وتغوص رواية “البحث عن الزمن المفقود” في الكثير من التغيرات الهائلة في نهاية القرن الـ20، ومن ذلك تراجع الطبقة الأرستقراطية وصعود الطبقات الوسطى التي حدثت في فرنسا خلال الجمهورية الثالثة.

وبأسلوبه الذي مزج فيه بين الذاتي والموضوعي، وبين الفلسفي التأملي والواقعي الحقيقي، وبين التخييلي القصصي والسيرة الذاتية، استطاع مارسيل بروست أن يتتبع مغامرة الكائن البشري وملهاته ومأساته بين التسامي والحيوانية. كما استطاع أن يذيب فيها شتى أنواع الفنون من قص ورسم وموسيقى وعمارة وتأمل، لأن “بروست لا يتنافس مع الطبيعة بل مع الفن، إن الذاكرة هي التي ترسم”، كما يشير الروائي والباحث الفرنسي المختص في كتابات بروست، تييري لاغيت في كتابه “بروست والفنون” الصادر حديثا بمناسبة مئوية وفاة عبقري الرواية الفرنسية.

وعبر لعبة القص الخفية وأبطاله المتلونين المتحولين استطاع أن يستحضر محيطه وعائلته وأمه وطفولته ومرضه، طامعا في كل ذلك في تحنيط لحظات الطفولة المشتهاة، ومحاولا البحث عن الحب المثالي والسعادة المطلقة وسرمدية الكون من خلال الغوص في الماضي السحيق والعزف على أوتار الذاكرة و”البحث عن الزمن المفقود”.

كما استطاع بروست بأسلوبه السردي العميق وبلعبة “النوم-اليقظة”، أن يوقظ القارئ من غفوة الجملة الأولى، ويمر لتحفيزه على التأمل والقراءة والتفكير والوعي بالزمن، فنراه بعد جملته الأولى يسترسل في لعبته السردية الرمزية قائلا “كانت عيناي أحيانا، حالما أطفئ شمعتي، تغتمضان بسرعة لا تدع لي متسعا من الوقت أقول فيه: “إنني أنام”. وبعد نصف ساعة توقظني فكرة أن الوقت حان للبحث عن النوم، فأبتغي وضع المجلد الذي أظن أنه ما زال بين يدي وإطفاء شمعتي، إذ إني ما كففت في نومي عن التفكير فيما قرأت منذ قليل”.

هي رواية وأبعد من رواية، وهي ملحمة فلسفية إنسانية تشبه “إلياذة” هوميروس، وتحمل في داخلها رمزية لنقص الكائن البشري، وتناقضات الحياة وانطلاقها وسرعتها وانغلاقها ومحاولة القبض عليها واسترجاعها عبر أحجية الكلمات والحروف وتميمة الكتابة بوصفها لعبة وحبل الخلود الذي يتعلق به الكاتب والمبدع حين يحاصره العمر والمرض والموت وعاصفة الأسئلة الوجودية التي لا جواب لها.

كتابة المحو

بعيدا عن الوثوقية والاستكانة إلى المسلمات والانبهار بالذات، يعلمنا مارسيل بروست من خلال هذا المعرض الذي ضم 75 دفترا من المسودات، و26 دفترا في نسخ أولية قيد الإصلاح، و23 دفترا في كتابة أخيرة جاهزة تقريبا للنشر، والمئات من الأوراق، يعلمنا ثقافة المحو والشطب والشك وعدم الاطمئنان إلى الكتابة الأولى، حين نكتشف ذلك من الكم الهائل للمسودات المشطوبة والحواشي والصفحات الملغاة والكراسات والمخطوطات لتي كتبها.

هذا الصبر والتجلد والشغف الكبير الذي كتب به بروست تحفته الأدبية على سرير المرض، لم يغادره خلال سنواته الثلاث الأخيرة، وكأني به يسترجع منطوق بطل الجزء السابع والأخير من روايته “الزمن المستعاد” الذي نشر بعد وفاته عام 1927، الذي قال “إن شغفنا هو الذي يحدد الخطوط العريضة لكتبنا، والفترة الفاصلة التي تكتبها”.

وقد صمّم المعرض بشكل دائري ووفق التقسيم الزمني الذي كتب به مارسيل بروست الأجزاء السبعة من روايته. وما بين الجملة الأولى للرواية والجملة الأخيرة التي تصل ذروتها مع الإغماضة الأخيرة لبروست، يكتشف الزائر متعة المعرض غرفة بعد غرفة ومجلدا بعد مجلد، ويتوه بين زمن القص وزمن الواقع، ويشعر لبرهة كأنه أليس التي سقطت في حفرة الزمن لتجد نفسها في بلاد العجائب تبحث عن الحلم الضائع، بينما يجد الزائر نفسه وقد تحول بشيء من العجائبية مرة إلى مدام سوان ومرة إلى ألبرتين المختفية ومرة إلى زهرة أوركيد في خصلة حبيبة بروست ومرة إلى اكليل من الغار في شعر وظلال ربيع الفتيات، ومرة إلى السجينة ومرة إلى سادوم وعامورة ومرة إلى منازل غرمانت، ومرة إلى قطعة الحلوى “المادلين” التي أبدع في تصويرها بروست، ومرة إلى فاصلة ونقطة وحاشية من حواشي بروست التي حنطها الزمن المفقود في مسوداته ودفاتره التي تزين جدران المعرض.

كما يكتشف الزائر من خلال الحروف المعتّقة والكلمات المشطوبة والصفحات المرتّقة والدفاتر والمسودات المقطّعة، أطباق عجيبة وغريبة وبهارات لذيذة من مطبخ الكتابة الداخلي عند مارسيل بروست. ليتجاوز بذلك لعبة الرواية الأولى إلى رواية ثانية موازية وجديدة يكشف عنها المعرض، أكثر عمقا وجمالا وأحكم نسيجا وأشد عبقا، تفوح منها بهارات الزمن الجميل المفقود كما أحكم توليفها وكتابتها ونسيجها وطبخها عبقري الرواية العالمية.

وفي الأخير يخرج الزائر من معرض “صناعة الأثر الفني” وقد عانق روعة الغوص في تفاصيل الكتابة الدقيقة، ونسيج الأفكار العميقة في منسج الروح المبدعة، لتنغلق الرحلة العجائبية في مطبخ مارسيل بروست وعبقريته الفذة، وتنغلق معها روايته الملحمية بجملتها الأخيرة التي استطاع بها بروست أن يسافر “في الزمن”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لاستخدام خدمات الموقع قم بإيقاف مانع الاعلانات